مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة

الأحاديث السابقة وإن اختلفت ألفاظها فإنها متفقة على أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، وإنما اختلفت الروايات في أمرين:
الأمر الأول: فيمن أضيفت إليه الرؤيا سكت عنه مرة، وذكره مرة أخرى، وسوف أُفَصِّل القول فيه، إن شاء الله في المسألة الرابعة.
الأمر الثاني: في تحديد أجزاء النبوة، التي جعلت الرؤيا الصالحة جزءًا منها، ففيه من الروايات ما تقدم ذكره من ستة وعشرين، وأربعين وأربعة
وأربعين وخمسة وأربعين، وستة وأربعين، وتسعة وأربعين، وسبعين.
وقد كثرت أقوال العلماء في توجيه هذه الروايات، ولهم في ذلك موقفان:
tafsir ahlam اختلاف العلماء
الموقف الأول: الترجيح.
الموقف الثاني: الجمع بين الروايات.
الموقف الأول: من قال بالترجيح:
وسبب هذا القول، وتوجيه النسبة فيه.
يميل بعض العلماء إلى ترجيح روايات الستة والأربعين على غيرها، لأنها في نظرهم هي الأشهر والأصح .
قال أبو عبد الله المازري: والأكثر والأصح عند أهل الحديث من ستة وأربعين.
وقال أبو زرعة العراقي بعد أن ذكر الروايات السابقة: “وأصحها وأشهرها ستة وأربعون، فإن ملنا إلى الترجيح فرواية الستة والأربعين أصح”.
والذين مالوا إلى ترجيح (ستة وأربعين) قالوا: إن السبب في ذكر هذا العدد أن النبي – صلى الله عليه وسلم – بقي منذ أن أوحي إليه إلى أن توفي ثلاثًا وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة بمكة، وبالمدينة عشر سنين وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر، وهي نصف سنة فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من أجزاء زمان النبوة .
الجواب عن هذا القول: أن هذا الترجيح وبيان السبب فيه لا يصح من وجوه:
الوجه الأول: أن أكثر الروايات صحيحة، بل أغلبها في الصحيحين، وكلها مشهور فلا سبيل إلى أخذ أحدها وطرح الباقي.
قال أبو العباس القرطبي بعد أن ذكر الروايات في اختلاف عدد أجزاء النبوة، وأكثرها في الصحيحين، وكلها مشهور، فلا يؤخذ بعضها ويترك الباقي كما فعل المازري .
الوجه الثاني: ما ذكروه من أن النبي – صلى الله عليه وسلم – يوحى إليه في منامه ستة أشهر، فكانت نسبة الرؤيا إلى زمن النبوة جزء من ستة وأربعين، هذا توجيه لا يصح وذلك لما يلي:
أولا: أن هذه المدة من الستة الأشهر لم تثبت بدليل صحيح، بل إن هناك اختلافًا في قدر المدة التي بعد بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى موته.
قال ابن العربي رحمه الله: وتفسيرها بمدة النبي – صلى الله عليه وسلم – باطل؛ لأنه يفتقر إلى نقل صحيح ولا يوجد.
وقال النووي رحمه الله، لم يثبت أن أمد رؤياه – صلى الله عليه وسلم – قبل النبوة ستة أشهر .
وقال الخطابي رحمه الله بعد أن ذكر هذا التوجيه، وهذا وإن كان وجها قد تحتمله قسمة الحساب والعدد فإن أول ما يجب فيه أن يثبت ما قاله من ذلك
خبرًا ورواية، ولم نسمع فيه خبرًا، ولا ذكر قائل هذه المقالة فيما بلغني عنه في ذلك أثرًا فهو كأنه ظن وحسبان، والظن لا يغني من الحق شيئًا.
ثانيًا: مما يبطل هذا التوجيه، أن سائر الأحاديث في الأجزاء المختلفة تبقى بغير معنى.
ولهذا لما ذكر ابن القيم رحمه الله التوجيه السابق قال: “وهذا حسن، لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة أنها جزء من سبعين جزءًا.
وعلى هذا فالصواب، إن شاء الله أن يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل حديث منها مخرجًا معقولاً .
الموقف الثاني: الجمع بين الروايات:
قال أكثر العلماء لا منافاة بين هذه الروايات، لأن كل رواية منها لها مخرج معقول، ولكن كثرت أقوالهم في توجيه هذه الروايات.
وسوف أذكر إن شاء الله أهم هذه التوجيهات، وأذكر ما أراه راجحًا مع بيان سبب الترجيح.
القول الأول: أن هذا الاختلاف بحسب حال الرائي للرؤيا.
واختار هذا القول الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله حيث بين أن الاختلاف في روايات هذه الأحاديث راجع إلى اختلاف حال الرائي، فالمؤمن الصادق الصالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين، والفاجر من سبعين ولهذا لم يشترط في وصف الرائي في السبعين ما اشترط في وصف الرائي في الحديث المذكور فيه «من ستة وأربعين» من كونه صالحًا.
وأما ما بين ذلك فالنسبة لأحوال المسلمين .
ورجح هذا القول أيضًا ابن العربي رحمه الله حيث قال بعد أن ذكر الأقوال في الجمع بين الروايات: وأحسنها قول الطبري عالم القرآن والسنة.
وقال ابن عبد البر رحمه الله: اختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك عندي اختلاف تضاد متدافع والله أعلم، لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على حسب ما يكون من صدق الحديث، وأداء الأمانة والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا؛ تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة، فمن خلصت نيته في عبادة ربه، ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب، كما أن الأنبياء يتفاضلون قال تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 55].
وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله مؤيدًا هذا القول: فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث، وهو أولى من تفسير بعضها دون بعض وطرحه .
وممن رجح هذا القول الألباني رحمه الله حيث قال: واعلم أنه لا منافاة بين قوله في هذا الحديث «إن الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وعشرين» وفي الحديث التالي: «جزء من ستة وأربعين» وفي حديث ابن عمر «جزء من سبعين» وغيره، فإن هذا الاختلاف راجع إلى الرائي، فكلما كان صالحا كانت النسبة أعلى، وقيل غير ذلك .
القول الثاني: أن ذلك الاختلاف زيادة فضل من الله عز وجل.
قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الآثار: باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الرؤيا، كم هي جزء من الأجزاء التي من النبوة؟
ثم ساق الأحاديث السابقة.
ثم قال: قال هذا القائل: وهذا اضطراب شديد، فمرة تروون أنها جزء من سبعين من النبوة، ومرة تروون أنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
فكان جوابنا في ذلك: أن جميع ما روينا من الآثار في هذا الباب يحتمل ما لا تضاد فيه، وهو أن الرؤيا جزء واحد من أجزاء النبوة جعلت بشارة، لحديث أم كرز – فذكر الحديث – وحديث أبي الدرداء فذكره.
قال أبو جعفر: فاحتمل أن يكون الله عز وجل كان جعلها في البدء جزءا من سبعين من النبوة فضلا منه عليه، وعطية منه إياه، ثم زاد بعد ذلك أن جعل العطية جزءا من ستة وأربعين …
القول الثالث: أن هذا الاختلاف بحسب اختلاف رؤيا الأنبياء.
قال ابن حزم رحمه الله: وقد تخرج هذه النسب والأقسام، على أنه عليه السلام إنما أرد بذلك رؤيا الأنبياء عليهم السلام، فمنهم من رؤياه جزء من ستة وعشرين جزءًا من خصائصه، وفضائله، ومنهم من رؤياه جزء من سبعين جزءًا من نبوته، وخصائصه وفضائله، وهذا هو الأظهر، والله أعلم، ويكون خارجًا على مقتضى الحديث بلا تأويل ولا تكليف .
ولكن هذا التوجيه مع أنه لا دليل عليه وفيه تكلف، فهو أيضًا لا يستقيم, لأنه يجعل الرؤيا الصالحة خاصة بالأنبياء وقد قال – صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن».
القول الرابع: أن هذا الاختلاف بحسب خفاء الرؤيا وجلائها.
قال المازري رحمه الله: وقيل إن المنامات دلالات، والدلالات منها خفي، ومنها ما هو جلي، فما ذكر فيه السبعون أريد به أنه الخفي منها، وما ذكر فيه الستة والأربعون أريد به الجلي منها .
وقال ابن أبي جمرة رحمه الله: إن النبوة جاءت بالأمور الواضحة، وفي بعضها ما يكون فيه إجمال مع كونه مبينًا في موضع آخر، وكذلك المرائي فيها ما هو صريح لا يحتاج إلى تأويل، ومنها ما يحتاج فالذي يفهمه العارف من الحق الذي يعرج عليه جزء من أجزاء النبوة، وذلك الجزء يكثر مرة، ويقل أخرى بحسب فهمه، فأعلاهم من يكون بينه وبين درجة النبوة أقل ما ورد من العدد، وأدناهم الأكثر من العدد، ومن عداهم ما بين ذلك .
وقريب من هذا القول ما قاله ابن حزم رحمه الله في كتابه الأصول والفروع: ما كان في الرؤيا صادقًا فهو من قبل الله تعالى، ثم تتفاضل في الصحة، والنقاء من الأضغاث، فيكون أعلاها منزلة في ذلك من سبعة وعشرين جزءًا من النبوة إلى جزء من سبعين جزءًا من النبوة .
القول الخامس: أن هذا الاختلاف بحسب تعدد طرق الوحي.
قال القاضي عياض رحمه الله، ويحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي، إذ منه ما سمع من الله بلا واسطة، ومنه ما جاء بواسطة الملك، ومنه ما ألقي في القلب من الإلهام، ومنه ما جاء به الملك وهو على صورته، أو على صورة آدمي معروف أو غير معروف، ومنه ما أتاه في النوم إلى غير ذلك مما وقفنا عليه، ومما لم نقف عليه فتكون الحالات إذا عددت انتهت إلى العدد المذكور.
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله معقبا على كلام القاضي: ولا يخفى ما فيه من التكلف والتساهل ثم مع هذا التكلف لم يبلغ عدد ما ذكر عشرين فضلا عن السبعين وقال ابن حجر رحمه الله: والذي نحاه القاضي سبقه إليه الحليمي، وقد قصد الحليمي في هذا الموضع بيان كون الرؤيا الصالحة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فذكر وجوها من الخصائص العلمية للأنبياء، تكلف في بعضها، حتى أنهاها إلى العدد المذكور، فتكون الرؤيا واحدًا من تلك الوجوه .
ويضاف إلى هذا التكلف أنه لا يجمع بين الروايات المختلفة.
القول السادس: أن هذا الاختلاف بحسب خصال النبوة.
حيث قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: المراد بهذا الحديث: أن المنام الصادق خصلة من خصال النبوة كما في الحديث الآخر «التؤدة، والاقتصاد، وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة» أي من مجموعة خصال تبلغ أجزاؤها ستة وعشرين، هذه الثلاثة جزء منها، وعلى مقتضى هذه التجزئة كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أجزاء في نفسه، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين صح لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمان وسبعون ويصح أن نسمي كل اثنين من الثمانية والسبعين جزءًا خصلة, فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين، ويصح أن نسمي كل أربعة منها جزءًا فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار تسعة عشر جزءًا ونصفًا.
فتختلف أسماء العدد المجزئ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء، وعلى هذا لا يكون اختلاف اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة .
ورحم الله القرطبي عندما قال بعد هذا التوجيه: وهذا أشبه ما وقع لي في ذلك، مع أنه لم ينشرح به الصدر، ولا اطمأنت إليه النفس، وهو كما قال:
القول السابع: أن هذا الاختلاف بحسب درجات الأنبياء.
قال ابن أبي جمرة رحمه الله ليس بين النبوة والرؤيا نسبة إلا في كونها حقا، فيكون مقام النبوة بالنسبة لمقام الرؤيا بحسب تلك الأعداد راجعة إلى درجات الأنبياء.
فنسبتها من أعلاهم وهو من ضم له إلى النبوة الرسالة، أكثر ما ورد من العدد، ونسبتها إلى الأنبياء غير المرسلين أقل ما ورد من العدد، وما بين ذلك ومن ثم أطلق في الخبر النبوة، ولم يقيدها بنبوة نبي بعينه.
القول الثامن: أن هذا الاختلاف بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي – صلى الله عليه وسلم -.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد؛ أنه وقع بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – بذلك, كأن يكون لمَّا أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك، وذلك وقت الهجرة، ولما أكمل عشرين حدث بأربعين، ولما أكمل اثنتين وعشرين، حدث بأربعة وأربعين بعدها بخمسة وأربعين، ثم بستة وأربعين في آخر حياته، وأما ما عدا ذلك من الروايات بعد الأربعين، فضعيف، ورواية الخمسين تحتمل أن تكون لجبر الكسر، ورواية السبعين للمبالغة، وما عدا ذلك لم يثبت، وهذه مناسبة لم أر من تعرض لها .
ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف وخاصة في آخرها، مع أنه لا دليل عليه.
وقريب من قول الحافظ ما قاله ابن أبي جمرة في قوله – صلى الله عليه وسلم -: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب» .
قال: “ويمكن أن يؤخذ من هذا سبب اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء النبوة بالنسبة لرؤيا المؤمن.
القول التاسع: أن هذا الاختلاف من الأمور التوقيفية التي لا نعلم حكمتها.
وهذا القول هو الراجح والأقرب والأظهر إن شاء الله تعالى.
وقال بهذا القول جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين.
قال الخطابي رحمه الله: إن هذا الخبر صحيح، وجملة ما فيه حق، وليس كل ما يخفى علينا علته لا تلزمنا صحته، وقد نرى أعداد ركعات الصلوات وأيام الصيام، ورمي الجمار محصورة في حساب معلوم، وليس يمكننا أن نصل من علمها إلى أمر توجب حصرها تحت هذه الأعداد دون ما هو أكثر منها، أو أقل، فلم يكن ذهابنا عن معرفة ذلك قادحًا في موجب الاعتقاد منا في اللازم من أمرها.
وهذا كقوله – صلى الله عليه وسلم – في حديث آخر: «إن الهدي الصالح، والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة» ، وتفصيل هذا العدد وحصر النبوة به متعذر لا يمكن الوقوف عليه، وإنما فيه أن هاتين الخصلتين من هدي الأنبياء وشمائلهم ومن جملة شيمهم وأخلاقهم فكذلك الأمر في الرؤيا أنه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة .
وقال ابن العربي رحمه الله: “القدر الذي أراده النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يبين أن الرؤيا جزء من النبوة في الجملة لنا؛ لأنه اطلاع على الغيب، وذلك قوله: «لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات» .
وتفصيل النسبة تختص به درجة النبوة إلى أن قال: “وأنا موعز إليكم إلا تتعرضوا لأعداد الشريعة فإنها ممتنعة عن إدراكها في متعلقاتها” .
وبهذا قال المازري رحمه الله مبينًا أنه لا يلزم العلماء أن يعرفوا كل شيء جملة وتفصيلا وقد جعل الله سبحانه للعلماء حدا يقفون عنده، فمنها ما لا يعلمونه أصلا ومنها ما يعلمونه جملة ولا يعلمونه تفصيلاً وهذا منه.
وقال أبو زرعة العراقي رحمه الله: ولا يمكن إلغاء النسب بعد ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – لها، وغايته أن لا يصل علمنا إلى حقيقة ذلك، فنؤمن به، ونكل علمه إلى عالمه.
وقال القسطلاني رحمه الله: وقلما يصيب مؤوِّل في حصر هذه الأجزاء، ولئن وقع له الإصابة في بعضها لما تشهد له الأحاديث المستخرج منها لم يسلم له ذلك في بقيتها.
وقال التوريشتي رحمه الله: وأما وجه تحديد الأجزاء بسبعة وأربعين، فأرى ذلك مما يتجنب القول فيه، ويتلقى بالتسليم، فإن ذلك من علوم النبوة التي لا تقابل بالاستنباط، ولا يتعرض لها بالقياس .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: “وتخصيص الجزء بستة وأربعين جزءًا من الأمور التوقيفية التي لا نعلم حكمتها كأعداد الركعات والصلوات .
وقد بين للقارئ السبب الذي حمل أولئك العلماء إلى تلك التفسيرات بأنه قد هالهم القول بأن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، فذهبوا إلى تلك التفسيرات التي ذكرتها سابقًا .
والحاصل أن يقال أن هذه الأعداد من الأمور التي يعلمها العلماء جملة لا تفصيلا فإنه لم يحدث لأحد من العلماء أن اطلع على أجزاء النبوة، ثم قاس الرؤيا عليها، وعدد هذه الأجزاء جزءًا جزءًا.
ولا حرج على أحد أن يأخذ بظاهر قوله – صلى الله عليه وسلم -: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» فإن جزء النبوة لا يكون نبوة كما أن جزء الفاتحة لا يكون صلاة.
وخلاصة أسباب الترجيح ما يلي:
1 – أن هذه الأعداد كأعداد الصلوات، والركعات، وأيام الصيام، ورمي الجمار، التي لا نعلم حكمتها.
2 – أن هذه من الأمور التي يعلمها العلماء إجمالاً لا تفصيلاً.
3 – أن علوم الأنبياء لا تقابل بالاستنباط والقياس.
مع أننا إذا ذكرنا بعض التعليلات، فما ذكره عالم الكتاب والسنة ابن جرير الطبري رحمه الله توجيه حسن وهو أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي

قصص وتفسير الاحلام

نقلت لنا كتب السنة من تفسير الاحلام التي رآها الرسول صلى الله عليه
وسلم الكثير ، ومنها ما رواه ابن عمر قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : ” بينا
أنا نائم أُتيت بقدحِ لبنٍ فشربت منه ، حتى إني لأرى الرِّيَ يخرج من أطرافي ،
فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب ” ، فقال من حوله : فما أولت ذلك يا رسول الله ؟ قال : ”
العلم ” . وروى ابن عمر أيضًا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” رأيت كأن
امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة _ وهي الجحفة _ فأولت :
أن وباء المدينة نقل إليها .

birds tafsir ahlam

ومما حدّث به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تفسير الاحلام ما رواه
ابن عباس عند البخاري ، أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيت
الليلة في المنام ظُلّة تنطف _ تقطر وتصب _ السمن والعسل ، فأرى الناس يتكففون منها
، فالمستكثر والمستقل ، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء _ والسبب : الحبل _ أراك
أخذت به فعلوت ، ثم أخذ به رجلٌ فعلا ، ثم أخذ به آخر فانقطع ، ثم وصل ، فقال أبو
بكر : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي والله لتدعني فأعبّرها ، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم : ” اعبرها ” ، فقال : أما الظلة فالإسلام ، وأما الذي ينطف السمن والعسل
فالقرآن ؛ حلاوته تنطف ، فالمستكثر من القرآن والمستقل ، وأما السبب الواصل من
السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه ، تأخذ به فيعليك الله ، ثم يأخذ به رجل من
بعدك فيعلو به ، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ، ثم يأخذ به آخر فينقطع له ، ثم يوصل
فيعلو به ، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت وأمي أصبت أم أخطأت ؟ فقال النبي صلى
الله عليه وسلم : ” أصبتَ بعضًا وأخطأت بعضًا ” ، قال : فوالله يا رسول الله ،
لتحدثني بالذي أخطأت به ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا تقسِم ”

وعليك بمشاهدة الموقع التالي
رؤية هاتف فى المنام

حدثنا عمرو الناقد وإسحق بن إبراهيم وابن أبي عمر
جميعا عن ابن عيينة واللفظ لابن أبي عمر حدثنا سفيان عن
الزهري عن أبي سلمة قال كنت أرى الرؤيا أعرى منها غير أني
لا أزمل حتى لقيت أبا قتادة فذكرت ذلك له فقال سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول الرؤيا من الله والحلم من
الشيطان فإذا حلم أحدكم حلما يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثا
وليتعوذ بالله من شرها

فإنها لن تضره

وحدث
نا ابن أبي عمر
حدثنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة وعبد ربه

ويحيى ابني سعيد ومحمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن
أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولم يذكر في
حديثهم قول أبي سلمة كنت أرى الرؤيا أعرى منها غير أني لا
أزمل وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس ح
وحدثنا إسحق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا أخبرنا عبد
الرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد وليس في
حديثهما أعرى منها وزاد في حديث يونس فليبصق على يساره حين
يهب من نومه ثلاث مرات

حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي حدثنا حماد
يعني ابن زيد حدثنا أيوب وهشام عن محمد عن أبي هريرة قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني في المنام فقد
رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي

علامات الرؤيا الصالحة وتفسير الاحلام

العَلامات جمع عَلامَة، وهي التي يعرف بها الشيء .
وعلامات الرؤيا الصالحة هي الأمارات التي يستدل بها ويستأنس بها على صلاح الرؤيا، وقد جاءت السنة المطهرة ببيان علامات الرؤيا الصالحة، فمن علامات صلاحها ما يلي:
أولاً: التواطؤ عليها:
والتواطؤ هو التوافق وزنًا ومعنى، يقال: (وطأه على الأمر مواطأة: وافقه وتواطأنا عليه وتوطَّأنا: توافقنا: وتواطؤوا عليه: توافقوا) .
وأصله أن يطأ الرجل مكان وطء صاحبه.
فالتواطؤ على الرؤيا: هو توافق جماعة على رؤيا واحدة ولو اختلفت عباراتهم .
ولهذا يقول الإمام البخاري رحمه الله في كتابهِ: «الجامع الصحيح» باب التواطؤ على الرؤيا، ثم ساق بسنده من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن أناسًا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن أناسًا أروها في العشر الأواخر، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «التمسوها في السبع الأواخر» .
فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، منهم من رأى ليلة القدر في العشر الأواخر، ومنهم من رآها في السبع الأواخر، فتوافقت رؤياهم على السبع الأواخر.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: (لم يلتزم البخاري إيراد الحديث بلفظ التواطؤ وإنما أراد بالتواطؤ التوافق، وهو أعم من أن يكون الحديث بلفظه أو بمعناه، وذلك أن أفراد السبع داخلة في أفراد العشر، فلما رأى قوم أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع فأمرهم بالتماسها في السبع لتوافق الطائفتين عليها، ولأنه أيسر عليهم فجرى البخاري على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى، وقد جاء بلفظ “التواطؤ” من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (وكانوا لا يزالون يقصون على النبي – صلى الله عليه وسلم – الرؤيا أنها في الليلة السابقة من العشر الأواخر، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان متحريًا فليتحرها من العشر الأواخر» .
ومن طريق مالك بن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه: (أن رجالا من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريَها، فليتحرها في السبع الأواخر» .
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: ويستفاد من هذا الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها، وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة .
يقول ابن القيم رحمه الله: فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤ روايتهم له، وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح .
tafsir al ahlma امراة حامل
ويقول رحمه الله في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر».
قال: فاعتبر صلى الله عليه وآله وسلم تواطؤ رؤيا المؤمنين، وهذا كما يعتبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه فهم لا يكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم إذا تواطأت .
ولما ترجم الذهبي رحمه الله للإمام أحمد رحمه الله ذكر منامات صالحة رويت لأحمد بعد موته أكثر من عشر ورقات ثم قال: «ولقد جمع ابن الجوزي فأوعى من المنامات في نحو من ثلاثين ورقة، وأفراد ابن البناء جزءًا في ذلك، وليس أبو عبد الله ممن يحتاج في تقرير ولايته إلى منامات، ولكنها جند من جند الله تسر المؤمن، ولا سيما إذا تواترت» .
ثانيًا: كونها من المبشرات.
والمبشرات جمع مبشرة، وهي البشرى بمعنى البشارة.
يقول ابن الصلاح رحمه الله في بيان علامات الرؤيا الصالحة: (ومن أمارات صلاحها أن تكون تبشيرًا بالثواب على الطاعة، أو تحذير من المعصية) .
وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وبيان أنها من المبشرات النبوية فمن ذلك:
(أ) أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» .
وقد بوب رحمه الله في “الموطأ” بلفظ (كان إذا انصرف من صلاة الغداء يقول: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ ويقول: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» .
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم في مستدركه كله من طريق مالك.
(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له …» .
وفي رواية لمسلم بلفظ كشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه فقال: «اللهم هل بلغت ثلاث مرات، إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح، أو ترى له ..» .
ورواه عبد الرزاق في مصنفه ، وابن أبي شيبة ، وأبو داود والنسائي .
والدارمي ، وابن ماجة ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والبيهقي .
(ج) أخرج الإمام أحمد رحمه الله في مسنده وابنه عبد الله في زوائد المسند من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» .
(د) أخرج الإمام أحمد في مسنده ، والترمذي ، والحاكم من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي» قال: «فشق ذلك على الناس» فقال «ولكن المبشرات» قالوا وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة».
(هـ) أخرج الإمام أحمد في مسنده والطبراني من حديث أبي الطفيل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة» أو قال: «الرؤيا الصالحة» .
(و) وأخرج الطبراني والبزار من حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «ذهبت فلا نبوة بعدي إلا المبشرات» قيل: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له» .
(ز) وأخرج الإمام أحمد، والدارمي وابن ماجة، من حديث أم كُرْز الكعبية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ذهبت وبقيت المبشرات» .
(ح) أخرج الإمام مالك رحمه الله في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات» فقالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» وهذا مرسل صحيح الإسناد ويشهد له ما سبق من الأحاديث وما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ففي هذه الأحاديث وغيرها تعظيم شأن الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له وبيان أنها من المبشرات التي يبشر بها المؤمن، وأن النبوة ستذهب بموته صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه خاتم النبيين بعده، وتبقى المبشرات التي هي الرؤيا الصالحة في هذه الأمة بعد انقطاع النبوة.
فقوله – صلى الله عليه وسلم – كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» يعني أن الوحي منقطع بموته رضي الله عنه فلا يبقى بعده ما يعلم به ما سيكون إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا الصالحة.
قال ابن التين: “معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا .
وقيل: هو على ظاهره، لأنه قال ذلك في زمانه، واللام في النبوة للعهد والمراد لنبوته، أي لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات.
ويرد على ذلك بالأحاديث الأخرى الصريحة كقوله – صلى الله عليه وسلم -: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» وحديث ابن عباس أنه قال ذلك في مرض موته – صلى الله عليه وسلم – .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم «إلا المبشرات» ثم فسرها بالرؤيا الصالحة.
ووصف الرؤيا الصالحة بأنها مبشرة إما على التغليب وإما على أصل اللغة فمن الرؤيا الصالحة ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله تعالى عبده المؤمن.
يقول ابن المهلب رحمه الله: التعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقًا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه .
ويقول أبو العباس القرطبي رحمه الله في كتابه “المفهم” البشرى من الله أي مبشرة بخير، ومحذرة عن شر فإن التحذير عن الشر خير فتضمنته البشرى، وإنما قلنا ذلك هنا, لأنه قد قال في حديث الترمذي المتقدم: «الرؤيا ثلاث، رؤيا من الله …» مكان بشرى من الله، فأراد بذلك، والله أعلم، الرؤيا الصادقة المبشرة والمحذرة .
ويقول أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسيره الجامع لأحكام القرآن” في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قال: “وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك، فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقًا به ورحمة؛
ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه، فإن أدرك تأويلها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك، وقد رأى الشافعي رضي الله عنه وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتبت إليه بذلك؛ ليستعد لذلك وقد تقدم في “يونس” في تفسيره قوله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: 64] أنها الرؤيا الصالحة، وهذا وحديث البخاري مخرجه على الأغلب، والله أعلم .
فتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم المبشرات بالرؤيا الصالحة إن كان المراد بالرؤيا الصالحة أي الحسنة والمبشرة فهذا ظاهر؛ لأن البشارة كل خير صدق بتغير بشرة الوجه واستعمالها في الخير أكثر.
إن كان المراد بالرؤيا الصالحة هي الصادقة وهي التي فيها بشارة أو تنبيه عن غفلة، فتسيرها بالمبشرات في الحديث مخرج على الأغلب أو على أصل اللغة والله أعلم.
قد جاء في تفسيره قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62 – 64].
أن البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة وقد وردت أحاديث متعددة في تفسير الآية بالرؤيا الصالحة فمن ذلك.
1 – ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن أبي شيبة، والترمذي، وابن جرير، والحاكم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن قوله عز وجل: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له …»
زاد أحمد، وابن جرير في إحدى الروايات عندهما أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «وبشراه في الآخرة الجنة» وقد جاءت هذه الزيادة في رواية ابن أبي شيبة مختصرة .
2 – أخرج الإمام أحمد في مسنده، والدارمي، والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير، والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن قول تبارك وتعالى: {الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» .
3 – أخرج ابن جرير رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له».
وفي رواية له عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: {الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح، أو ترى له، وهي في الآخرة الجنة.
وفي رواية له قال أبو هريرة رضي الله عنه: «الرؤيا الحسنة بشرى من الله وهي المبشرات» .
4 – وأخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن جرير في تفسيره من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، هي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان؛ ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر أحدًا» .
وقد جاء عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم تفسير الآية بالرؤيا الصالحة فمن ذلك:
1 – أخرج ابن جرير الطبري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال: (هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه) ورواه ابن أبي شيبة بنحوه هذه الرواية .
2 – أخرج الإمام مالك رحمه الله عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يقول، في هذه الآية: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له).
ورواه ابن أبي شيبة، وابن جرير بنحوه .
3 – وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد رحمه الله قال: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) .
4 – وأخرج ابن جرير رحمه الله عن عطاء في قوله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال: (هي رؤية الرجل يبشر بها في حياته) .
5 – وأخرج ابن جرير رحمه الله عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: (الرؤيا من المبشرات) .
6 – وأخرج ابن جرير رحمه الله عن يحيي بن أبي كثير رضي الله عنه قال في قوله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال: (هي الرؤيا الصالحة يرها المسلم أو ترى له) .
وقد أخرج ابن عبد البر رحمه الله بعض هذه الآثار وأشار إلى بعضها ثم قال معقبًا على ذلك: وعلى ذلك أكثر أهل التفسير في معنى هذه الآية، وهو أولى
ما اعتقده العالم في تأويل قول الله عز وجل: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وروى عن الحسن والزهري وقتادة أنها البشارة عند الموت .
ويقول ابن جرير الطبري رحمه الله بعد أن ذكر بأسانيده عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم أنها الرؤيا الصالحة عقب على ذلك بقوله: (وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.
ومنها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله، كما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: «إن الملائكة التي حضره عند خروج نفسه تقول لنفسه اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه» .
ومنها بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم – من الثواب الجزيل كما قال ثناؤه: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] الآية.
وكل هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها ولم يخصص الله ذلك المعنى دون معنى, فذلك مما عمَّمه جل ثناؤه، أي: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وأما في الآخرة فالجنة .
وقال السعدي رحمه الله: البشرى هي كل دليل وعلامة تدلهم على أن الله أراد بهم الخير، وأنهم من أوليائه وصفوته، فيدخل في ذلك الرؤيا الصالحة .
ثالثًا: كونها من أهل الصدق والصلاح:
من علامات الرؤيا الصالحة التي تدل عليها كونها من أهل الصدق والصلاح والاستقامة؛ فإن الغالب على رؤياهم الصدق وذلك لقلة تسلط الشياطين عليهم، ولكثرة الصدق في حديثهم، فمن كان أصدق الناس حديثًا كان أصدقهم رؤيا.
ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا اقترب الزمان لم تكن رؤيا المسلم تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا …» .
وفي رواية لمسلم: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا …».
قال النووي رحمه الله في شرح الحديث السابق: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» ظاهره أنه على إطلاقه وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء بقوله وعمله، فجعل الله تعالى جابرًا وعوضا ومنبهًا لهم، والأول أظهر لأن غيره الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته لها .
ويقول ابن العربي المالكي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وآله وسلم «أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» وذلك لأن الأمثال إنما تضرب له على مقتضى أحواله من تخليط وتحقيق، وكذب وصدق، وهزل وجد ومعصية وطاعة، قال ابن سيرين ما احتلمت في حرام قط، فقال بعضهم ليت عقل ابن سيرين في المنام لي في اليقظة .
وفي تعليق لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله على الحديث السابق، قال: (أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا وأكثرهم دينًا لأن الفاسقين يصيبهم من تحزين الشيطان) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن الذي تصدق رؤياه فأجاب بقوله: (وأما الذي تصدق رؤياه فهو الرجل المؤمن الصدوق إذا كانت رؤياه صالحة، فإذا كان الإنسان صدوق الحديث في يقظته، وعنده إيمان وتقوى فإن الغالب أن الرؤيا تكون صادقة، ولهذا جاء هذا الحديث مقيدًا في بعض الروايات بالرؤيا الصالحة من الرجل الصالح، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «… أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا»
ولذلك بوب الإمام البخاري رحمه الله في كتاب:
“الجامع الصحيح” المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه في كتاب التعبير، بابًا بعنوان (2 – رؤيا الصالحين)
ثم ساق بسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» إشارة إلى أن الصالحين هم الذين يغلب على رؤياهم الصدق .
ولهذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يسأل عن حال الرجل، فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه، كما أخرج الإمام أحمد في مسنده بإسنادين صحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تعجبه الرؤيا الحسنة فربما قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا» فإذا رأى الرجل رؤيا سأل عنه فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه، قال: فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني دخلت الجنة فسمعت بها وَجْبَة ارتجت بها الجنة فنظرت فإذا قد جيء بفلان بن فلان، وفلان بن فلان حتى اثني عشر رجلاً وقد بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سرية قبل ذلك، قالت: فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم قال: فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر السرخ أو قال: إلى نهر البيدح قال: فغمسوا فيه فخرجوا منه وجوههم كالقمر ليلة البدر، قال: ثم أتوا بكراسيّ من ذهب فقعدوا عليها وأتى بصحيفة – أو كلمة نحوها – فيها بسرة فأكلوا منها فما يقلبونها لشق إلا أكلوا من فاكهة ما أرادوا وأكلت معهم، قال: فجاء البشير من تلك السرية، فقال: يا رسول الله كان من
أمرنا كذا وكذا وأصيب فلان وفلان حتى عدّ الاثنى عشر الذين عدّتهم المرأة
فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «عليّ بالمرأة» فجاءت قال: «قصّي علىّ رؤياك» فقصت، قال: هو كما قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ورواه النسائي في السنن الكبرى، وابن حيان في صحيحه، والبيهقي في دلائل النبوة بنحوه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد تحت باب: “ما يدل على صدق الرؤيا” ووجه الاستشهاد بالحديث على صدق الرؤيا سؤاله – صلى الله عليه وسلم – عن الرجل، فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه .
وفي هذا الحديث دليل على أن رؤيا الرجل والمرأة سواء، وإنما العبرة بالتقوى والصلاح والصدق.
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأحاديث السابقة «من الرجل» ذكر للغالب فلا مفهوم له فإن المرأة الصالحة كذلك.
ولهذا من فقه الإمام البخاري رحمه الله قال في صحيحه في كتاب التعبير “باب رؤيا النساء” منعًا للفهم القاصر، ثم ساق بسنده من حديث خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العلاء – امرأة من الأنصار – بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة، قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون وأنزلنا في أبياتنا، فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما توفي غسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قالت: فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «أما هو فوالله لقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي».
فقالت: والله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا.
ثم ساق بسنده آخر، وقال: «ما أدري ما يفعل به» قالت: وأحزنني فنمت فرأيت لعثمان عينًا تجري فأخبرت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: «ذلك علمه» .
وذكر ابن بطال رحمه الله الاتفاق على أن رؤيا المؤمنة الصالحة داخلة في قوله: «رؤيا المؤمن الصالح جزء من أجزاء النبوة» .