هل يترتب على الرؤيا حكم شرعي

وقال ابن القيم – رحمه الله – ورؤيا الأنبياء وحى، فإنها معصومة من الشياطين، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه عليهما السلام بالرؤيا.

وأما رؤيا غيرهم؛ فتعرض على الوحى الصريح، فإن وافقته وإلا لم يعمل بها، فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة أو تواطأت؟ قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحى، بل لا تكون إلا مطابقة، منبهة عليه أو منبهة على اندراج قضية خاصة فى حكمه لم يعرف الرائي اندراجها فيتنبه بالرؤيا على ذلك أ - ﻫ

وقد يقول قائل : إن الأذان ثبت بطريق الرؤيا فيقال له : إن الحديث ثبت به تشريع الأذان بتواطؤ الصحابة – رضوان الله عليهم – وإقرار النبى صلى الله عليه وسلمعلى ذلك، فالعبرة بإقراره ، وإنما تشريع الأذان بالرؤيا حكمة – من الله لإعلاء شأنها، ولرفع ذكر النبى صلى الله عليه وسلم على لسان غيره وهم الصحابة رضى الله عنهم وأنى للصوفية ومن حذا حذوهم إقراره صلى الله عليه وسلم فى هذا الزمان على فرض أن ما يفعلون صحيح.

هل ممكن اثبات الرؤيا كحكم شرعي

إذن لا يمكن أن يثبت بالرؤيا حكم شرعى، حتى ولو رأى النبى صلى الله عليه وسلم فقد يقول قائل: أنا رأيت النبى صلى الله عليه وسلم وأمرنى بكذا، وهو حكم يخالف الشريعة فهذا مردود بلا شك؛ لأن الشرع الذى شرعه الله لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم قد كلمه الله عز وجل فقال : (  الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (سورة المائدة : الآية رقم3 .) ولم يأتنا دليل على أن رؤيته فى النوم بعد موته صلى الله عليه وسلم إذا قال فيها بقول أو فعل فعلاً يكون دليلاً وحجة بل قبضه الله إليه بعد أن كمل الله لهذه الأمة دينها على لسانه صلى الله عليه وسلم ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة فى أمر دينها. قال النووي – رحمه الله - : لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان ولم ير الناس الهلال فرأى إنسان النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام فقال له : الليلة أول رمضان وانظر تفسير حلم رؤية رمضان لم يصح الصوم بهذا المنام لا لصاحب المنام، ولا لغيره . أ - ﻫ

وصية ثابت بن قيس

وقد يستشكل بعض الناس إجازة وصية ثابت بن قيس – رضى الله عنه - ( ثابت بن قيس بن شماس الخزرجى الأنصارى، صحابى، شهد أحداً وما بعدها، وكان خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتل يوم اليمامة شهيداً فى خلافة أبى بكر (الأعلام 2/98).) بعد موته، لما جاء أنه لما استشهد فى اليمامة وكان عليه درع لهه نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم إذ أتاه فى منامه فقال له : أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه: إنى لما قتلت مر بى رجل من المسلمين وأخذ درعى، ومنزله فى أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن فى طوله (يستن : أى يمرح، والطول : الحبل يشد أحد طرفيه فى وتد، والآخر فى يد الفرس ( النهاية 3/145 ).) وقد كفأ على الدرع برمة (البرمة : القدر مطلقاً، وهى فى الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز ( النهاية 1/121) .) وفوق البرمة رحل، فأت خالداً فمره أن يبعث إلى درعى فيأخذها فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى بكر الصديق فقل له : إن على من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقى عتيق، فأتى الرجل خالداً فأخبره، فبعث إلى الدرع فأتى بها، وحدث أبا بكر برؤياه فأجازه وصيته .

لذا قيل : لا يعلم أحد أجيزت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس رضى الله عنه . (ذكر هذه القصة الحافظ ابن حجر – رحمه الله – فى الإصابة 1/203 وقد رواها الحاكم فى المستدرك وصححها ووافقه الذهبى ( المستدرك مع التخليص 3/235) والبيهقى فى دلائل النبوة 6/356 .) فهذه رؤيا عجيبة، وقد ثبت بها حكم شرعى حساس، ولا مانع من هذا، فهى لم تخالف الشرع، وقد أثبتت وأجيزت

احتف بها من القرائن الدالة على صدقها، ويمكن أن يقاس عليها كل ما كان مثلها، فكل رؤيا تحتف بها قرائن تدل على صدقها فلا مانع من إجازتها. فالرؤيا إذا لم تخالف الشرع فهى معتبرة، وكثيراً ما تكون من هذا النوع فتبشر المؤمن أو تحذره.

Add ping

Trackback URL : https://dofollowing.com/?trackback/30

Page top