هل ينفع العمل وفق الرؤيا الصالحة؟

الرؤيا الصالحة لا تخلو من ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن تكون من الأنبياء: وهذا القسم من أقسام الوحي يجب الإيمان بها والعمل بما دلت عليه، لأن رؤيا الأنبياء وحي باتفاق الأمة، ولهذا ذكر الله تعالى في القرآن الكريم رؤيا إبراهيم في شأن ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام وكيف أقدم على ذبح ابنه واعتبر ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك قال الابن (يا أبت افعل ما تؤمر) قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 102 - 105] فلو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ابنه، وسيأتي إن شاء الله مزيد تفصيل لهذه المسألة . وكذلك يقال في الرؤى التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بها أمرًا أو نهيًا . القسم الثاني: رؤيا الصحابة التي أقرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وهذه كذلك مصدر من مصادر التشريع, تفسير الاحلام حرف ذ الذال لأنها نوع من أنواع السنة وهي إقرارات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بذلك أمرًا ونهيًا وأمثلة ذلك كثيرة جدًا، فمن ذلك: رؤيا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين للأذان ، وإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك. أخرج الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه من حديث طفيل بن سَخْبرة أخي عائشة لأمها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال من أنتم؟ فقالوا: نحن اليهود: قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرًا ابن الله، فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى، فقال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله،، قالوا: وإنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: «هل أخبرت أحدًا؟» قال: نعم، فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن طفيلاً رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، قال: لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده» . وله شاهد من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: «أتى رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن رأيت في المنام أني لقيت بعض أهل الكتاب، فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد فقال - صلى الله عليه وسلم -: «قد كنت أكرهها منكم فقولوا: ما شاء الله ثم ما شاء محمد» . فهذه الرؤيا حق أقرها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعمل بمقتضاها. ولهذا لما بوَّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب: "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" بابًا في قول: (ما شاء الله وشئت) استشهد بحديث الطفيل السابق ثم ذكر من مسائل هذا الباب أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي tafsir al ahlam هل ينفع العمل وفق الرؤيا الصالحة؟ ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في كتابه: "تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد" في شرح هذا الحديث "كان صلى الله عليه وآله وسلم يعتني بالرؤيا لأنها من أقسام الوحي، وكان إذا صلى الصبح كثيرًا ما يقول: «هل رأى أحد منكم رؤيا» قال: (وفيه أن الرؤيا قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام كما في هذا الحديث، وحديث الأذان، وحديث الذكر بعد الصلوات) . ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" في شرح هذا الحديث: "قلت: وإن كانت رؤيا منام فهي وحي، يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرًا ونهيًا، والله أعلم. والأمثلة على ذلك لا تحصى: القسم الثالث: رؤيا الصالحين بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -: وهذه هي مدار البحث هنا: فهل يعتمد عليها في إثبات الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وهل يعتمد بها دليلا مستقبلاً من أدلة الشرع في الإثبات والنفي؟ وفي أي مجال يكون اعتبارها والاعتداد به؟ . والحق في ذلك ما اتفق عليه أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، ولا تتخذ دليلاً شرعيًا، وإنما هي تبشير وتحذير وتنبيه، ولهذا سماها الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «المبشرات». ولكنها قد تعتبر وتصلح للاستئناس فقط إذا وافقت حجة شرعية صحيحة. يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله: ( ... اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسنة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك فاستبشر ابن عباس رضي الله عنهما. وحديث ابن عباس أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة؟ فأمرني بها وسألته عن الهدي؟ فقال: فها جزور أو بقرة أو شاة، أو شرك في دم قال: وكأن ناسًا كرهوها، فنمت، فرأيت في المنام وكأن إنسانًا ينادي حج مبرور ومتعة منقلبة، فأتيت ابن عباس رضي الله عنهما فحدثته فقال: الله أكبر, سنة أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم. قال ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: (ويؤخذ منه الاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم). فمجرد الاستبشار بالرؤيا الصالحة، لا يضر، لأن العمدة في الموضوع إنما هو الاستدلال الشرعي، ولهذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها, فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها» . وفي حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب» فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاستبشار بالرؤيا الحسنة. يقول ابن القيم رحمه الله: (ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بالرؤيا). وأما رؤيا غيرهم: فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لا يعمل بها، فإن قيل: فما تقولون إذا كانت الرؤيا صادقة، أو تواطأت؟ قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه، لم يعرف الرائي اندراجها فيه فينتبه بالرؤيا على ذلك. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق) . ويقول الشاطبي رحمه الله في كتابه الاعتصام: (الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال، إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، أما استفادة الأحكام فلا). ويقول رحمه الله أيضًا: (نعم يأتي المرئى تأنيسًا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلاً، وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم. وما يحكى عن بعض العلماء من الخلاف في حجة رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما ذلك فيما إذا وافقت حكمًا شرعيًا فالعبرة في هذه الحالة بالحكم الشرعي لا بها، ولهذا قال الشوكاني رحمه الله في رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم - قد كمله الله عز وجل وقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]) . وقال ابن بدران رحمه الله: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، وهذا القول هو والعدم سواء، لأن العمل يكون بما ثبت من الشرع لا به، ثم لا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا، قد كمله الله لنا ... ) . وسوف يأتي إن شاء الله، مزيد بيان وتوضيح وتفصيل لهذه المسألة عند مناقشة من يجعلون الرؤيا حجة يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة أو الإجماع والقياس من مبتدعة الصوفية الذين استندوا في أخذ الأعمال بالمنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها وتأتي إن شاء الأسباب التي تجعل الرؤيا ليست دليلاً شرعيًا يحتج بها على جواز فعل أو ترك، أو منع أو استحباب، وأقوال أهل العلم في ذلك، وإنما المقصود هنا، بيان أن الرؤيا الصالحة مجرد مبشرات يستأنس بها كما دلت على ذلك النصوص، وفعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومن بعدهم من العلماء. وعلى ذلك يحمل ما ورد عن أهل العلم من الاستشهاد بالرؤيا الصالحة في بيان فضل العلماء ومكانتهم وما يقال في أهل البدع .

Add ping

Trackback URL : https://dofollowing.com/?trackback/9

Page top