تفسير الاحلام وتنبيهات هامة

هذه تنبيهات على بعض أخطاء الناس في تفسير الاحلام ، ينبغي التنبه
لها ومنها :

أولاً : انشغال الناس بهذه تفسير الاحلام وتقديسها، وصرف الأوقات
الكثيرة في تذاكرها والسؤال عنها، ولو سألت كثيرين من أولئك عن صلواتهم وبعض أحكام
دينهم لرأيت ما يحزنك، ولا أدل على ذلك من واقع الناس اليوم، انظر إلى مجالس
المعبرين ولقاءاتهم كم يحضرها، ومجالس تعلم أحكام الشرع والدين، ألا فاقدروا للأمر
قدره فلا إفراط ولا تفريط.

ثانيًا : إقامة المجالس واللقاءات الطويلة في تفسير الاحلام،
مما زاد في إشغال الناس بهذا أكثر وأكثر، ويتبجح بعضهم بما جاء في صحيح مسلم من أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كثيرًا ما يسال أصحابه بعد الفجر: ((من رأى منكم
رؤيا؟))، فيجاب عن هذا بأن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يقاس عليه غيره،
وكان في طور تنزّل الوحي، ومن ثم فإنه لم يثبت عن أحدٍ من الصحابة كالخلفاء الأربعة
ولا من بعدهم أنهم كانوا يقيمون المجالس من أجل تفسير الاحلام، لاسيما أبو بكر الصديق

وقد
شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه عارف تفسير الاحلام.

birds tafsir ahlam

ثالثًا : من الأخطاء في الرؤيا خطورة الكذب فيها، ففيه إثم
عظيم، أخرج البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تحلم بحلم لم
يره كلَّف ـ أي: يوم القيامة ـ أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل))، قال الإمام الطبري
رحمه الله: "الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره".

رابعًا : بعض الناس إذا رأى رؤيا لم يترك أحدًا إلا وقد سأله
عنها، وقد يسأل أحيانًا جهالاً لا يفقهون فيها شيئًا. تفسير الاحلام ـ يا رعاكم الله
ـ علم ليس لأي أحدٍ أن يتكلّم فيه، سئل الإمام مالك رحمه الله: أيعبر الحلم كل
أحد؟ فقال مالك: أبِالنبوة يُلعب؟! والنبي صلى الله عليه وسلم يقـول: ((إذا رأى
أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحًا أو عالمًا)) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

وهنا تعلم خطورة نصب الإنسان نفسه مفتيًا في الاحلام، يتكلم
بتخمينه وظنونه، فأينه من قول الله:

وَلا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً

[الإسراء:36]؟!

خامسًا : يخطئ بعض الناس في اقتنائه لكتب تفسير الاحلام والاعتماد
عليها، فكلما رأى في منامه شيئًا فتح كتابه، ألا فليعلم أن الاحلام يعبرها أهل العلم
باعتبارات مختلفة، وقد تكون تفسير الاحلام واحدة لشخصين لكن التأويل مختلف. جاء رجلٌ صالح
لابن سيرين فقال: رأيت أني أؤذن في المنام، فعبرها له بأنه سيحج لقوله تعالى:
[الحج:27]، وجاء بعده آخر رأى أنه يؤذن في المنام، فعبرها له بأنه يسرق لقوله
تعالى:

ثُمَّ
أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ

سادسًا : تنتشر بين الفينة والأخرى ورقةٌ مذكور فيها رؤيا
للرجل الصالح أحمد خادم الحجرة النبوية، وفيها بعض الوصايا، وكذلك ورقة أخرى أن
فتاة رأت في المنام أمَ المؤمنين زينب أو بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة
تأمرها بأن تقرأ قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ

الإخلاص:1] كذا مرة وسيحصل لها كذا وكذا، وكل هذه خزعبلات وأكاذيب لا تنشر إلا عند
الجهلاء، وقد نبهت عليها اللجنة الدائمة، وتكلم عنها الشيخ ابن باز رحمه الله في
إيضاح قبل أكثر من خمسة عشر عامًا، ألا فليُعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما
مات إلا والدين قد كمل، وأن أيّ مدّعٍ يدعي أنه اكتشف سنة عبر منام فهو كاذب، فليس
هناك سنة إلا وقد بينها صلى الله عليه وسلم ، وانتهى التشريع بموته .

الرؤيا وعلماء تفسير الاحلام

قالوا: فإن تصرف فيه الحس المشترك، فيحتاج إلى تعبير وإن لم يتصرف فيه فلا يحتاج إلى تعبير.

الثاني: أن يرد على الحس المشترك، صور المحسوسات بالحواس الظاهرة مما ارتسم في الخيال، أثناء اليقظة، أو يرتسم فيه مما يوجبه مرض كثوران خلط، أو تغير مزاج.

والوجه الأول عندهم هو سبب الرؤيا الصادقة.

والوجه الثاني: هو سبب الرؤيا الكاذبة .

الرد:

هذا القول لا شك في بطلانه وذلك من وجوه ويرجع في ذلك موقع الاحلام.

أولا: فيما يتعلق بقولهم في سبب الرؤيا الصادقة، وأنها تأتي نتيجة ارتسام

الصور في الحس المشترك الذي يأخذها من النفس الناطقة والتي تأخذ ذلك من العقل الفعال. وهذا قول باطل لأنه لا دليل عليه من النقل ولا من العقل، فلم يرد عن طريق الوحي، والعقل لا يدرك هذه الأشياء. وعامة ما يعتمدون عليه هو التجويز الذهني .

ثانيًا: قولهم في الوجه الثاني أن حصول الرؤيا الكاذبة بسبب الأخلاط.

قال ابن العربي المالكي رحمه الله في رده عليهم: “تقسيمه – صلى الله عليه وسلم – الرؤيا ثلاثة أقسام هي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني، وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع .

وقد بينا في كل كتاب، ونادينا على كل باب وصرخا على الوهاد والأنقاب ، بأنه لا تأثير للأخلاط .

وقال المازري رحمه الله بعد أن ذكر قول الفلاسفة السابق: “وهذا مذهب وإن جوزه العقل وأمكن عندنا أن يجري الباري جلت قدرته العادة بأن يخلق مثلما قالوه عند غلبة هذه الأخلاط فإنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة والقطع في موضع التجويز غلط وجهالة، هذا لو نسبوا ذلك إلى الأخلاط على جهة الاعتياد، وأما إن أضافوا الفعل إليها فإنا نقطع بخطأهم، ولا نجوز ما قالوه، إذ لا فاعل إلا الله سبحانه .

ثم قال: «ولبعض أئمة الفلاسفة تخليط طويل في هذا، وكأنه يرى أن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالمنقوش، وكأنه يدور بدوران الكرة، فما حاذى بعض النفوس منه انتقش فيها، وهذا أوضح فسادًا من الأول مع كونه تحكما بما لم يقم عليه برهان ..» .

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله اضطراب الناس في الرؤى، ثم ذكر قولاً قريبًا من قول الفلاسفة وإن خالفه من بعض الوجوه، ولم ينسبه إلى أحد، ثم رد عليه حيث قال: «فمن قائل: إن العلوم كلها كامنة

في النفس، وإنما اشتغالهم بعالم الحس يحجب عنها مطالعتها، فإذا تجردت بالنوم رأت منها بحسب استعدادها ولما كان تجردها بالموت أكمل كانت علومها ومعارفها هناك أكمل، وهذا فيه حق وباطل فلا يرد كله، ولا يقبل كله، فإن تجرد النفس يطلعها على علوم ومعارف لا تحصل بدون التجرد، لكن لو تجردت كل التجرد لم تطلع على علم الله الذي بعث به رسوله – صلى الله عليه وسلم – وعلى تفاصيل ما أخبر به عن الرسل الماضية، والأمم الخالية وتفاصيل المعاد، وأشراط الساعة، وتفاصيل الأمر والنهي، والأسماء والصفات والأفعال وغير ذلك مما لا يعلم به إلا الوحي، ولكن تجرد النفس عون لها على معرفة ذلك، وتلقيه من معدنه أسهل وأقرب وأكثر مما يحصل للنفس المنغمسة في الشواغل البدنية» .

ومن الأقوال التي ذكرها ابن القيم رحمه الله ولم ينسبها لأحد ورد عليها وهي قريبة من قول الفلاسفة السابق من بعض الوجوه.

أن هناك من قال: بأن الرؤى كلها علوم وعقائد في النفس تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم.

قال ابن القيم رحمه الله في رده على هذا القول: “وهذا عين الباطل والمحال، فإن النفس لم يكن فيها قط معرفة هذه الأمور” .

القول الرابع: قول أهل الحق أهل السنة والجماعة:

فقالوا: لا نعدوا قول نبينا – صلى الله عليه وسلم – فقد بين الرؤيا بيانًا واضحًا شافيًا فقسمها إلى ثلاثة أقسام: رؤيا حق من الله عز وجل، والله أعلم بكيفية ذلك، ورؤيا باطلة فهي أضغاث أحلام من تهويل الشيطان وتحزينه وتمثيله لابن آدم، أو مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في المنام.

فقد أخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا ثلاث، فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» .

وفي أحاديث أخرى يقسم – صلى الله عليه وسلم – الرؤيا إلى قسمين كما في حديث أبي قتادة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان ..» .

قال ابن عبد البر رحمه الله: “وجملة القول في هذا الباب أن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوة، وأن التصديق بها حق، وفيها من بديع حكمة الله ولطفه ، ما يزيد المؤمن إلى إيمانه. ولا أعلم بين أهل الدين والحق، من أهل الرأي والأثر خلافًا فيما وصفت ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد، وشرذمة من المعتزلة .

فنحن لا نقول كما تقول المعتزلة أن الرؤى كلها خيالات باطلة لا حقيقة لها، ولا كما تقول الفلاسفة أنها من فعل الطبائع بل نقول كما يقول ربنا عز وجل: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} [الفتح: 27] وكما يقول نبينا – صلى الله عليه وسلم – «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان».

وفي بيان حقيقة الرؤيا الصادقة وأنها حق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» هو كما قال – صلى الله عليه وسلم – رآه في المنام حقًا، فمن قال: ما رآه في المنام حقًا فقد أخطأ، ومن قال: إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد أخطأ، ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون تلك .

وفي مواضع متعددة يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن ما يراه النائم في نومه عبارة عن أمثال مضروبة له.

فيقول في كتابه منهاج السنة النبوية: “والنائم يرى في المنام إنسانًا يخاطبه ويشاهده، ويجري معه فصولاً، وذلك المرئي قاعد في بيته، أو ميت في قبره، وإما رأى مثاله .

وفي كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان يقول رحمه الله ما ملخصه:

إن النائم يرى الأشياء في منامه ولها وجود وتحقق، ولكنها أمثلة فلما عزب عقله في أثناء النوم ظنها الرائي نفس الحقائق كالذي يرى نفسه في مكان آخر يكلم أمواتًا ويكلمونه، ويفعل أمورًا كثيرة، وهو في النوم يجزم بأنه نفسه الذي يقول ويفعل؛ لأن عقله عزب عنه، وتلك الصورة التي رآها مثال صورته لكن غاب عقله عن نفسه، حتى ظن أن ذلك المثال هو نفسه، فلما ثاب إليه عقله علم أن ذلك مثالات.

ومن الناس من لا يغيب عقله؛ بل يعلم أن ذلك في المنام، وهو كالذي يرى صورته في المرآة، أو صورة غيره .

وقد ذكر قريبًا من ذلك في كتابه قاعدة في المعجزات والكرامات .

فإذا كانت الرؤى عبارة عن أمثلة وأحاديث نفس، فإنه قد ورد في بعض تعاريف العلماء كلمات تحتاج إلى تفصيل فمن ذلك أن منهم من يعرف الرؤيا بأنها إدراكات مخلوقة أو اعتقادات مخلوقة، فهل هذا التعريف صحيح أو لا؟ .

قال ابن العربي رحمه الله في حقيقة الرؤيا: أنها إدراكات يخلقها الله في قلب العبد على يدي الملك أو الشيطان، إما بأمثالها، وإما أمثالاً بكناها، وإما تخليطًا، ونظير ذلك في اليقظة الخواطر فإنها تأتي على نسق في قصد، وتأتي مسترسلة غير محصلة، فإذا خلق الله من ذلك في المنام على يدي الملك شيئًا كان وحيًا منظومًا وبرهانًا مفهومًا.

ورد على من قال أن الرؤيا اعتقادات .

وقال المازري رحمه الله: «والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة وهو أن الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء ولا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه سبحانه جعلها علمًا على أمور أخر يخلقها في ثاني حال أو كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم اعتقاد الطيران، وليس بطائر فقصارى ما فيه أنه اعتقد أمرًا على خلاف ما هو عليه وكم في اليقظة ممن يعتقد أمرًا على غير ما هو عليه فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله سبحانه للغيم علمًا على المطر، والجميع خلق الله سبحانه، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علمًا على ما يسره بحضرة الملك، أو بغير حضرة شيطان، ويخلق ضدها مما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان» .

وعلى هذا التعريف بعض الملحوظات:

أولا: قول المازري والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة، معلوم أن المازري أشعري العقيدة، وقد صرح بأشعريته في كتابه المعلم بفوائد مسلم، فيعني بأهل السنة الأشاعرة، فهو إذا ليس بحجة على أهل السنة والجماعة .

ثانيًا: قوله وهو أنه سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات.

birds tafsir ahlam
أقول: أن القول بأن الرؤيا عبارة عن اعتقادات مخلوقة، هذه من الألفاظ المحدثة عند المتأخرين، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟

وبين رحمه الله أنه يقال لمن قال ذلك، ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه، كقوله لا إله إلا الله وإيمانه الذي دل عليه اسم المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة .

ومما يزيد هذا التعريف إشكالاً أن رؤية الأنبياء وحي، ولا يقال في الوحي أنه اعتقادات مخلوقة، كما تقوله المبتدعة عياذا بالله.

ثالثًا: قوله بأن الرؤيا التي تسر تخلق بحضرة ملك، والتي بضدها بحضرة شيطان هذا يحتاج إلى دليل من الشرع.

أما تعريف الرؤيا بأنها اعتقادات فقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

وقال ابن القيم رحمه الله: «وإن من الرؤيا ما يكون من حديث النفس وصورة الاعتقاد بل كثير من مرائي الناس إنما هي من مجرد صور اعتقادهم المطابق وغير المطابق» .

التعرف على علم تفسير الاحلام tafsir al ahlam

ان تفسير الاحلام يقوم على فهم tafsir al ahlam والتعمق في فهم الكتاب والسنة ويجب
ان يتوافر في المفسر التقوى والصلاح

تكالبت همم كثير من الناس على الرؤى وتعبيرها ، وتعلقت
النفوس بهذه الرؤى والمنامات ، وأصبحنا نرى اليوم إن كان السائل عن الأمور الشرعية
واحدًا ، فالسائل عن الرؤى والمنامات عشرات ، ورأينا مهمومين مغمومين ، يقول أحدهم
: أنه لم ينم الليالي العديدة ، لماذا ؟ لرؤيا مقلِقة رآها ، وقد يكون عبّرها له
جاهل بسوء ، وأصبحتَ ترى فرحين سعداء ، لكأنهم يترقبون بيوتهم تنقلب بساتين وقصورًا
، أو وسائدهم تنقلب ذهبًا ، بسبب رؤيا رأوها .

لكن السائل عن أمر شرعي ديني مهم في حياته يفتح له باب خير
في الدارين ، قليل هو ، إنك لا تجد إلا أناس لا يلقون لمسائل الدين بالاً ، بل ربما
أفتوا أنفسهم بأنفسهم ، أو ربما سأل أحدهم صديقاً له من الجهال ، أو التمس علماً
عند الأصاغر ، وهذا هو الاستهتار برمته ، والتلاعب بدين الله عز وجل من أصله ، فليس
هناك أفضل من طلب العلم الشرعي وتعلمه ، وعلى الإنسان أن يحرص على دينه لأنه سوف
يسأل عنه بعد موته .

والذي ينبغي للمسلم أن يشغل نفسه من العلم النافع والعمل
الصالح بما هو أهم وأفضل .

فإن العمر قصير لا يتسع لجميع العلوم ، فليأخذ المسلم بالأهم
فالأهم من العلوم .  وشاهد هذا المقطع

وطلب العلم الشرعي والتفقه في الشرع وتعليمه للناس ، والدعوة
إليه ، من أفضل ما يقوم به المسلم ، ويعبد به ربه ، فليحرص المسلم على ذلك ، فهو
أفضل ما أنفقت فيه الأعمار .وغليك مطالعة هذا الموقع الممتاز لتفسير الاحلام تفسير حلم غبار

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما :
أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه
وسلم أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي
السَّبْعِ الأَوَاخِرِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه
وسلم : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ
الأَوَاخِرِ . فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا
فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ .

حدثنا محمد بن المثنى حدثنا خالد بن الحارث حدثنا حميد
حدثنا أنس عن عبادة بن الصامت قال خرج النبي صلى الله عليه
وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال
خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن
يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة وطالع هاذين الموقعين الهيئة العامة
للشؤون الاسلامية والأوقاف الإمارات العربية المتحدة

حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن
سرح أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني
عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم
أخبرته أنها قالت كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله
عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى [
ص: 140 ] رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء
فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه وهو التعبد الليالي أولات
العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة
فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك
فقال اقرأ قال ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني
الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قال قلت ما أنا بقارئ قال
فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال
أقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني
الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق [ ص: 141 ]
خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم
الإنسان ما لم يعلم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال زملوني زملوني فزملوه
حتى ذهب عنه الروع ثم قال لخديجة أي خديجة ما لي وأخبرها
الخبر قال لقد خشيت على نفسي قالت له خديجة كلا أبشر
فوالله لا يخزيك الله أبدا والله إنك لتصل الرحم وتصدق
الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على
نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن
أسد بن عبد العزى وهو ابن عم [ ص: 142 ] خديجة أخي أبيها
وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب
من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا
قد عمي فقالت له خديجة أي عم اسمع من ابن أخيك قال ورقة بن
نوفل يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه
وسلم خبر ما رآه فقال له ورقة هذا الناموس الذي أنزل على
موسى صلى الله عليه وسلم يا ليتني فيها جذعا يا ليتني أكون
حيا حين يخرجك قومك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو
مخرجي هم قال ورقة نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي
وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا

تفسير الاحلام والرؤى في الغة والاصطلاحًا

المسألة الأولى: الرؤى في اللغة

الرؤى: جمع رُؤْيَا وهي ما يراه الإنسان في منامه. على وزن فُعْلى كالسقيا والبشرى.

قال العلامة ابن منظور في لسان العرب: «والرُّؤْيا: ما رأيته في منامك، وهي الرُّؤى، ورأيت عنك رؤى حسنة: حلمتها وأرْأى الرجل إذا كثر رؤاه، بوزن رُعاه، وهي أحْلامه، جمع الرؤيا، ورأى في منامه رُؤيا، على فعلى بلا تنوين وجمع الرؤيا رؤى بالتنوين، مثل رعى» .

وقال الراغب الأصفهاني في معجم مفردات ألفاظ القرآن: «والرؤيا ما يرى في المنام، وهو فعلي، وقد يخفف فيه الهمزة فيقال بالواو» .

والألف فيها للتأنيث ولذلك لم تنصرف .

المسألة الثانية: الرؤى اصطلاحًا

birds tafsir ahlam
إذا عرفنا أن الرؤى في اللغة جمع رؤيا، وهي ما يراه الإنسان في منامه، فإننا لا نجد فرقًا بين المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي، وإنما اختلف الناس في بيان كيفية هذه الرؤى وحقيقتها اختلافًا عظيمًا {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213].

وسبب اختلافهم في حقيقة الرؤيا، هو إعراضهم عن الكتاب والسنة، ومحاولة الوقوف على أمور لا تدرك بالعقول.

قال المازري رحمه الله: «كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لما حاولوا الوقوف على حقائق لا تعلم بالعقل، ولا يقوم عليها البرهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت لذلك مقالاتهم» .

وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله في كتابه المفهم: “وقد اختلف في كيفية الرؤيا قديمًا وحديثًا، فقال غير الشرعيين أقوالاً مختلفة وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة قد عريت عن البرهان فأشبهت الهذيان، وسبب ذلك التخليط العظيم؛ الإعراض عما جاءت به الأنبياء من الصراط المستقيم .

ونتيجة لهذا السبب تعددت أقوالهم في الرؤيا، وقد ذكر جملة من هذه الأقوال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين والإمام ابن حزم رحمه الله في كتابيه الفصل في الملل والأهواء والنحل والأصول والفروع وذكرها ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح وغيرهم.

وسأذكر – بعون الله – أهم هذه الأقوال وأشهرها، مع المناقشة لكل قول ثم أختم بقول أهل الحق مع بيان أدلته النقلية والعقلية إن شاء الله تعالى.

القول الأول: قال صالح بن قبة : إن الرؤيا حق، وما يراه النائم في نومه صحيح كرؤية العينين في اليقظة، فإذا رأى الإنسان في المنام كأنه بأفريقية وهو ببغداد فقد اخترعه الله سبحانه بأفريقية في ذلك الوقت .

الرد: قوله: «إن الرؤيا حق» هذه العبارة فيها إجمال فإن كان المقصود بها أن الرؤيا الصالحة حق بمعنى أنها ليست خيالات باطلة، فهذا صحيح.

أما إن كان قصده بهذه العبارة أن ما يراه النائم كرؤية اليقظة فهذا لا يشك عاقل في بطلانه فهو في غاية الفساد والبطلان، فالواقع والعقل يبطلانه.

أما الواقع: فنحن نشاهد أن النائم عندنا، ورأى نفسه في ذلك الوقت في أفريقية مثلاً.

وأما من طريق العقل، فإن النائم يرى من الأحلام من كونه مقطوع الرأس مثلا، وهو حي، وما أشبه ذلك، كما جاء أعرابي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله: رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – للأعرابي: «لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك» فعلى هذا القول يكون رأسه قد قطعت حقيقة وهو حي، وهذا من الباطل بمكان .

القول الثاني: قال أكثر المعتزلة إن ما يراه الإنسان في منامه إنما هو تخيلات باطلة لا حقيقة لها ولا تدل على شيء .

الرد: إن القول بأن الرؤيا جميعها خيالات باطلة، قول باطل وغريب، حيث دل كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – على أن الرؤيا تنقسم إلى ثلاثة أقسام ومنها الرؤيا الصادقة، والتي منها رؤيا الأنبياء والتي هي من الوحي.

فمن الكتاب قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} [الفتح: 27] ورؤيا الحق

هي التي لا بد من وقوعها وصدقها، فهي ليست من قبيل أضغاث الأحلام.

ومن السنة قوله – صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان ..» .

قال الخوارزمي في كتابه مفيد العلوم ومبيد الهموم: «الباب السادس في سؤال المعتزلة في الرؤيا».

قالوا: كيف يجوز أن يرى ألف إنسان في وقت واحد النبي – صلى الله عليه وسلم – وكل واحد منهم في بلد غير بلد صاحبه، وهل يجوز أن يكون جسم واحد في ألف مكان، فلهذا أجمعنا على إبطال الرؤيا سوى رؤية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

أجاب الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: تجويزكم صحة رؤيا الأنبياء يبطل قولكم ببطلانها لغير الأنبياء .. .

وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله في رده على قول المعتزلة السابق: «وهذا على أصلهم في تخييلهم على العوام وإنكار أصول الشرع كإنكارهم الجن وإنكارهم كلام الملائكة للبشر، وأن جبريل لو كلم محمدًا – صلى الله عليه وسلم – لسمعه الحاضرون» .

وقال رحمه الله: «قد قيل: إن الرؤيا لا حقيقة لها وهم القدرية ، تعسًا لهم، وغلا صالح قبة، فقال: كل الرؤيا والرؤية بعين الرأس حقيقة».

ثم قال أبو بكر: وهذا حماق .

وممن نسب هذا القول لبعض المعتزلة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو معروف بدقة معرفته بأقوال أهل الملل والنحل ورده عليهم.

حيث قال في كتابه بيان تلبيس الجهمية: «وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، يعني في المنام، والنقل بذلك متواتر عمن رأي ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم» .

وقريب من قول المعتزلة السابق في حقيقة الرؤيا، ما ينسب إلى الأشاعرة فقد ذكر الإيجي وهو أشعري العقيدة، في كتابه المواقف في علم الكلام أن قول المعتزلة والأشاعرة في الرؤيا أنها خيال باطل، وإنما فرق بين القولين في التعليل فقط.

فقال: «وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين، أما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك، من المقابلة وانبعاث الشعاع، وتوسط الهواء، وأما عند الأصحاب إذا لم يشترطوا شيئًا من ذلك، فلأنه خلاف العادة، والنوم ضد للإدراك».

وقد نسب هذا القول الألوسي رحمه الله للمتكلمين، والأشاعرة من المتكلمين فقال: «والمنقول عن المتكلمين أنها خيالات باطلة وهو من الغرابة بمكان بعد شهادة الكتاب والسنة بصحتها».

ولكن لما ذكر ابن القيم رحمه الله اضطراب الناس في حقيقة الرؤيا، ذكر أن هناك من يعرف الرؤى بأنها: علوم علقها الله في النفس ابتداء بلا سبب.

ثم قال: «وهذا قول منكري الأسباب والحكم والقوي، وهو قول مخالف للشرع والعقل والفطرة».

وقوله رحمه الله: وهذا قول منكري الأسباب والحكم هذه العبارة كثيرًا ما يطلقها ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمها الله على الأشاعرة.

ولم يبين رحمه الله وجه مخالفة هذا القول للشرع، والعقل، والفطرة، ولعل ما ذكرته في الرد على المعتزلة يبين وجه هذه المخالفة.

القول الثالث: قال الفلاسفة في حقيقة الرؤيا:

إن الحس المشترك في الإنسان والذي هو مجمع الحواس

الظاهرة، إذا أخذ الصورة الخارجية من الحواس الظاهرة

يؤديها إلى القوة المتخيلة التي من شأنها تركيب الصورة

فربما انطبعت تلك الصور في الحس المشترك وصارت مشاهدة

على حسب مشاهدة الصور الخارجية، فإن الصور الخارجية لم تكن مشاهدة لكونها صورة خارجية بل لكونها مرتسمة في الحس المشترك.

قالوا: ومن طباع القوة المتخيلة التصوير والتشبيح دائمًا، إلا أن هناك أمرين صارفين لها عن فعلها:

أحدهما: توارد الصور من الخارج على الحس المشترك، فإنه إذا انتقش بهذه الصورة لم يتسع لانتقاشه بالصور التي تركبها القوة المتخيلة فيعوقها ذلك عن عملها لعدم القابل.

وثانيها: تسلط العقل أو الوهم عليها بالضبط عندما يستعملانها فتتعوق بذلك عن عملها، وإذا انتفى هذان الشاغلان أو أحدهما تفرغت القوة المتخيلة لفعلها في التصور، والشخص إذا نام انقطع عن الحس المشترك توارد الصور من الخارج، فيتسع لانتقاش الصور من الداخل.

قالوا: إذا عرفت هذا فنقول ما يدركه النائم ويشاهده صور مرتسمة في الحس المشترك موجودة فيه ويكون ذلك على وجهين:

الأول: أن يرد ذلك المدرك على الحس المشترك من النفس الناطقة وهي تأخذه من العقل الفعال فإن جميع صور الكائنات من الأزل إلى الأبد مرتسم فيه.

أهمية الرؤى وتفسير الاحلام في حياة الناس

لقد جاء الاهتمام بالرؤيا الصادقة في كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – اهتمامًا يحفظ المسلم من الغلو أو التفريط فيها. فالرؤيا الصادقة من الله، وهي جزء من أجزاء النبوة، ومن مبشرات النبوة، وهي من الأنبياء وحي، بل هي مبدأ الوحيين والتصديق بها حق ولا خلاف فيها بين أهل الحق والدين ولا ينكرها إلا من شذ عن الحق (1).

فدل كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – على أن رؤيا الأنبياء وحي، فهي تدخل في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51]. ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه بعض رؤى أنبيائه، فمن ذلك قوله تبارك وتعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} [الأنفال: 43]. وجعل سبحانه معجزة نبيه يوسف عليه السلام تأويل الرؤى، كما جاء في سورة يوسف. وكذلك ما جاء في رؤيا إبراهيم عليه السلام، وكيف أقدم على ذبح ابنه وعد ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك الابن قال: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}. قال تبارك وتعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 102 – 105].

وكذلك رؤيا نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – في قصة الحديبية قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ} [الفتح: 27]. أما السنة فقد بين النبي – صلى الله عليه وسلم – أن أول أحوال النبيين الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (2).

أما رؤيا المؤم(3).

birds tafsir ahlam
ي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة كما ثبت عنه – صلى الله عليه وسلم – (2) وهي من مبشرات النبوة، وباعث خير وطمأنينة. ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في شأن الرؤى، فهناك الأحاديث التي تبين أقسامها، وأن ما يراه الإنسان في منامه منه الرؤيا الحق، ومنه حديث النفس، ومنه تهاويل الشيطان، ولكل نوع علاماته وصفاته tafsir al ahlam youtube. وهناك الأحاديث التي تبين أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، ومن مبشرات النبوة، وأحاديث تبين أن رؤية النبي – صلى الله عليه وسلم – في المنام حق، إذا رأه على صورته وليس ذلك مبررًا للتلقي عنه – صلى الله عليه وسلم – في المنام. وأحاديث تبين الآداب التي يتأدب بها المسلم عندما يرى ما يحب وعندما يرى ما يكره. وأحاديث تبين تأويل النبي – صلى الله عليه وسلم – للرؤيا وهي كثيرة جدًا. وأحاديث تبين أحكام الرؤى، من حيث حكم الكذب فيها، وهل الرؤيا إذا عبرت وقعت، وما شروط المعبر وآدابه، وغيرها من الآداب والأحكام. ولقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – كثيرًا ما يقول لأصحابه «هل رأى أحد منكم رؤيا» كما ثبت من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه (4).

. ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان مما يقول لأصحابه: «من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له» (5).

ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ فيقول إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» (6).

قال ابن عبد البر (7).

رحمه الله: «وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا وفضلها لأنه – صلى الله عليه وسلم – إنما كان يسأل عنها لتقص عليه، ويعبرها، ليعلم أصحابه كيف الكلام في تأويله» (8).

ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: «الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، فلا يتلاعب بالنبوة» (9).

وقال القرطبي (10).

رحمه الله: «والرؤيا حالة شريفة ومنزلة رفيعة» (10).

ولقد كان من اهتمام النبي – صلى الله عليه وسلم – بالرؤى وبيان أحكامها وآدابها لأمته، أنه كان يبين لهم ذلك في خطبه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، قال: جاء أعرابي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت (11).

على أثره، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – للأعرابي: «لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك» وقال: سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد يخطب فقال: «لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه» (12).

بل حتى وهو – صلى الله عليه وسلم – في مرض موته، الذي سيودع فيه أمته ويلقى ربه، كشف الستار والناس صفوف خلف أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها العبد الصالح أو ترى له» (13).

 

كتب الحديث وتفسير الاحلام

اهتم المحدثون رحمهم الله بهذه الأحاديث، فعقدوا لها في مصنفاتهم الكتب والأبواب فمن ذلك:

أن الإمام البخاري رحمه الله وضع في كتابه الجامع الصحاح كتابًا للتعبير أي تعبير الرؤيا، وذكر فيه ثمانية وأربعين بابًا، وتسعة وتسعين حديثًا، وعشرة آثار عن الصحابة والتابعين (1)

.

بدأ تلك الأبواب بباب، بيان أول ما بدئ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الوحي الرؤيا الصادقة (2)

ثم باب رؤيا الصالحين.

ثم باب الرؤيا من الله.

ثم باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.

ثم باب المبشرات.

ثم باب رؤيا يوسف عليه السلام.

ثم باب رؤيا إبراهيم عليه السلام.

ثم باب التواطؤ على الرؤيا.

ثم ذكر رحمه الله أبوابًا كثيرة منها.

باب من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – في المنام. باب الحلم من الشيطان فإذا حلم فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله عز وجل.

باب من كذب في حلمه.

باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها.

باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب.

أما الإمام مسلم رحمه الله فقد عقد في صحيحه كتابًا للرؤيا، وذكر فيه ثلاثة وعشرين حديثًا غير المتابعات (3)

وقد صنفت هذه الأحاديث إلى أربعة أبواب:

الأول: باب قوله – صلى الله عليه وسلم – من رآني فق رآني.

الثاني: باب لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام.

الثالث: باب في تأويل الرؤيا.

الرابع: باب رؤيا النبي – صلى الله عليه وسلم -.

أما أبو داود رحمه الله فذكر بابًا للرؤيا في كتاب الأدب من سننه، وذكر فيه تسعة أحاديث (4).

أما الترمذي رحمه الله فعقد كتابًا للرؤيا عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – في عشرة أبواب، ذكر فيها خمسة وعشرين حديثًا (5)

.

ومن تلك الأبواب:

1 – باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.

2 – باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات.

3 – باب قوله: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 63].

4 – باب ما جاء في قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة».

5 – باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع.

6 – باب ما جاء في تعبير الرؤى.

7 – باب في تأويل الرؤى، ما يستحب منها وما يكره.

8 – باب في الذي يكذب في حلمه.

أما النسائي رحمه الله فعقد في كتابه السنن الكبرى كتابًا للتعبير ذكر فيه ثلاثة وعشرين بابًا، أخرج فيها ثمانية وثلاثين حديثًا (6).

ومن تلك الأبواب:

1 – الرؤيا.

2 – الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح.

3 – الرؤى بشرى من الله.

4 – التواطؤ على الرؤى.

5 – من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم -.

أما ابن ماجه رحمه الله فعقد كتابًا لتعبير الرؤيا، ذكر فيه عشرة أبواب، تضمنت أربعة وثلاثين حديثًا (7)

وهذه الأبواب هي كما يلي:

1 – باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.

2 – باب رؤية النبي – صلى الله عليه وسلم – في المنام.

3 – باب الرؤى ثلاث.

4 – باب من رأى رؤيا يكرهها.

5 – باب من لعب به الشيطان في منامه فلا يحدث به الناس.

6 – باب الرؤيا إذا عبرت وقعت، فلا يقصها إلا على واد.

7 – باب علام تعبر به الرؤيا؟

8 – باب من تحلم حلمًا كاذبًا.

9 – باب أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.

10 – باب تعبير الرؤيا.

وإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد رحمه الله أخرج في مسنده أحاديث كثيرة في شأن الرؤى (8)

وكذلك ما بذله أصحاب المصنفات رحمهم الله، من جهود في تصنيف أحاديث الرؤى ومن ذلك ما ذكره ابن أبي شيبة رحمه الله في كتابه المصنف في الأحاديث والآثار، حيث قرن بين الإيمان والرؤيا في كتاب واحد (9)

وما ذكره الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي في سننه حيث عقد كتابًا للرؤيا ذكر فيه ثلاثة عشر بابًا وثمانية وعشرين حديثًا ومن تلك الأبواب:
birds tafsir ahlam

1 – باب قوله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 63].

2 – باب في رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.

3 – باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات.

4 – باب في رؤية النبي – صلى الله عليه وسلم – في المنام.

5 – باب فيمن يرى رؤيا يكرهها.

6 – باب الرؤيا ثلاث.

7 – باب أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.

8 – باب النهي عن أن يحتلم الرجل رؤيا لم يرها.

9 – باب أصدق الرؤيا بالأسحار.

10 – باب كراهية أن يعبر الرؤيا إلا على عالم أو ناصح.

11 – باب الرؤيا لا تقع ما لم تعبر.

12 – باب في رؤية الرب تعالى في النوم (10)

ومن ذلك ما ذكره الإمام البغوي رحمه الله في كتابه شرح السنة حيث عقد كتابًا للرؤيا، وذكر فيه من الأبواب والأحاديث ما يبين مكانتها في الشريعة، ومن تلك الأبواب:

1 – باب تحقيق الرؤيا أي تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، واستدل برؤيا إبراهيم عليه السلام وقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة».

وقوله – صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».

2 – باب من رأى شيئًا يكرهه.

3 – باب أقسام الرؤيا.

4 – باب أقسام تأويل الرؤيا

ولقد كان هؤلاء العلماء رحمهم الله يشيرون إلى بعض أحكام وآداب الرؤى من خلال عناوين الأبواب التي صنفوها.

وأحيانًا يشيرون إلى الخلاف في بعض المسائل من خلال العناوين أو يشيرون إلى الراجح من الخلاف، كما يقولون في تعبير الرؤيا، الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب، أو يقول بعضهم الرؤيا لأول عابر، أو الرؤيا تقع على ما تعبر، ونحو ذلك من الأحكام التي سوف أفصلها إن شاء الله تعالى.

ولا شك أن هذه الأحاديث بينت الموقف الصحيح من الرؤى وأن منها

الحق ومنها أحاديث النفس وتهاويل الشيطان، ولكل نوع علاماته، وبينت الآداب التي يلتزم بها المسلم عندما يرى ما يحب أو يرى ما يكره.

فالرؤيا الصالحة تسر المؤمن وتعجبه ولا تغره، فهي باعث خير وطمأنينة وهداية وذلك لا يبرر أن يعمل بها إذا كانت مخالفة للشرع، بل إذا خالفت دل ذلك على عدم صلاحها وتركها.

وعلى هذا سار الصحابة رضي الله عنهم فكانوا يرجعون إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا رأوا رؤيا.

وكذلك من بعدهم من سلف هذه الأمة الصالح كانوا يرجعون إلى سنته – صلى الله عليه وسلم – ولا يعتمدون على الرؤيا، إلا مجرد الاستئناس بها، وعلى هذا يحمل ما جاء عنهم في الأخذ بالرؤيا الصالحة عند ذكر أسباب تأليف بعض الكتب أو ذكر أسباب هداية بعض الضالين المنحرفين.

فمن ذلك ما ثبت عن الإمام البخاري رحمه الله أنه ألف كتاب الجامع الصحيح بسبب رؤيا رآها للنبي – صلى الله عليه وسلم – حيث قال: «رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – وكأني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين، فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح» (1).

ومن ذلك أن الرؤيا الصالحة كانت سببًا لهداية بعض المنحرفين عن الطريق المستقيم ولهذا ذكرها ابن القيم رحمه الله في المرتبة العاشرة من مراتب الهداية العامة والخاصة.

وقال: «والذي هو من أسباب الهداية، هو الرؤيا التي من الله خاصة» (2).

ومن أمثلة ذلك: أن سبب رجوع الإمام أبي الحسن الأشعري (1) رحمه الله عن مذهب الاعتزال، أنه رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – في النوم حيث قال: وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد، فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، ونمت فرأيت الرسول – صلى الله عليه وسلم – في المنام فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عليك بسنتي، فانتبهت!! وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار، فأثبته ونبذت ما سواه وراء ظهري (2).

وإذا كان هذا هو موقف أهل الحق، فهناك من غلا في الرؤى، فطوائف غلت في الإفراط، وطوائف غلت في التفريط، وكل هؤلاء الغلاة خالفوا ما ذكرته من المنهج الصحيح في الرؤى.

أما أصحاب الغلو في الإفراط فهم الذين رفعوا الرؤى عن مكانتها فاعتبروها مصدرًا للتلقي والتشريع؛ ينقضون بها شرع الله، فقد يحلل أحدهم الحرام أو يحرم الحلال بناء على رؤيا رآها، وقد يدعي بعضهم علم الغيب الذي تفرد الله به بسبب رؤيا رآها أو رآها غيره.

فكثيرًا ما يفتتن الناس بأن فلانًا رأى بأن الساعة تقوم بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة بمجرد رؤيا في المنام، تخدع السذج من الناس.

وهذا الغلو والإفراط في شأن الرؤى موجود في كل عصر، ففي جواب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول ما يدعيه بعض المبتدعة من الرؤى والمنامات قال: «وقد عرفنا في زماننا بمصر والشام والعراق من يدعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبي، أو أنه فيه أثر نبي ونحو ذلك، ويكون كاذبًا، وهذا شيء منتشر» (1).

وما ذكره ابن الحاج (2) رحمه الله حيث قال: «وليحذر مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان، وهو أن يرى النبي – صلى الله عليه وسلم – في منامه فيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء فينتبه من نومه فيقدم على فعله أو تركه بمجرد المنامة دون أن يعرضه على كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وعلى قواعد السلف رضي الله عنهم» (3).

فهؤلاء الغلاة يعتمدون على الرؤى في حياهم وكأنها وحي يوحى، وينتظرون في كل أمر أن يروا رؤيا تشير لهم إلى الطريق، بل منهم من يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة.

وهناك من يصاب بالهم والغم والحزن والخوف بسبب رؤيا رآها، ومن قرأ وسمع الفتاوى التي تصل إلى مشائخنا حفظهم الله، أدرك تأثير الرؤيا في حياة الناس، وحاجتهم إلى معرفة الحكم الشرعي فيها، وموقف المسلم منها.

وهذا الاهتمام والتأثر بالرؤى، جعل بعض المغرضين والمنحرفين يستغلون جهل الناس بالرؤى، فطالمًا افتتن الناس ببعض من يستغل الرؤى لترويج باطله.

ومن أمثلة ذلك: ما ظهر في هذه البلاد وغيرها منذ سنوات من خرافة صاغها شيطان مضل على صورة رؤيا منسوبة إلى من يسمى بالشيخ أحمد خادم المسجد النبوي الشريف، وقصد بهذه النسبة ترويج هذه الفرية.

وقد ضمن هذه الرؤيا المزعومة أكاذيب وتهديدات وتخويفات زعم أنه تلقاها من النبي – صلى الله عليه وسلم – حين رآه في المنام (1)، وقال له: أخبر أمتي بهذه الوصية، لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ، ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد ومن محل إلى محل، بني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها، حرمت عليه شفاعتي يوم القيامة، ومن كتبها وكان فقيرًا؛ أغناه الله، أو كان مديوناً؛ قضى الله دينه، أو عليه ذنب؛ غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية، ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة، ومن يصدق بها ينج من عذاب الله، ومن كذب بها كفر.

وهذا بعض ما جاء في هذه الوصية المكذوبة التي تجرأ مخترعها على الكذب على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والتي يعرف بطلانها من له أدنى بصيرة، ومع ذلك فقد راجت على كثير من الناس وتداولوها بينهم وصدقها بعضهم فأخذوا يطبعونها ويوزعونها متأثرين بما فيها من الوعود والوعيد.

ولقد قام علماؤنا وفقهم الله، ببيان كذب هذه الوصية وحذروا الناس من نشرها والتصديق بها (1) ومن هؤلاء سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فقد رد عليها برد جيد مفيد، وبين ما فيها من الكذب والتدجيل (2).

وهذا مثال يبين مدى تأثر الناس بالرؤى وانحرافهم في مفهومها ورواجها على السذج والبسطاء.

وفي مقابل هؤلاء الغلاة في الإفراط، هناك الغلاة في التفريط، الذين يستهينون بشأن الرؤيا الصالحة، ويقللون من قيمتها، بل لا يرون لها قيمة البتة، فيرون جميع ما يتحدث عنه من الرؤيا إنما هو كلام خرافات وأساطير.

وهذا انحراف في الطرف الآخر وهو أقرب ما يكون إلى نظريات الماديين الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوس، ولذلك ينكرون الغيب وما يتعلق به.

وسوف أقوم إن شاء الله تعالى بالرد على هؤلاء الغلاة في الإفراط والغلاة في التفريط في الباب الثاني من هذا البحث.

الفرق بين الرؤيا والرؤية

الرؤيا مصدر رأى، وهي مختصة بما يراه الإنسان في منامه، أما الرؤية فهي مصدر رأي كذلك، إلا أنها مختصة بما يراه الإنسان في اليقظة.

قال في القاموس المحيط (الرؤية: النظر بالعين وبالقلب) .

وقال في الصحاح: (الرؤية بالعين تتعدى إلى مفعول واحد، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين، يقال رأى زيدًا عالمًا، ورأى رأيا ورؤية .

فالرؤية هي النظر بالعين في اليقظة، والرأي بالقلب.

وفرق بين الرؤيا والرؤية بتاء التأنيث مكان ألف التأنيث للفرق بين ما يراه النائم وما يراه اليقظان، ونظير ذلك القربة والقربى، فالقربة للتقرب المعنوي بعبادة الله إليه، والقربى للتقرب النسبي .

قال في الكشاف: (الرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فلا جرم فرق بينهما بحرف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث كما قيل في القربى والقربة) .

وقد تكون الرؤيا مصدر رأى في اليقظة، وعلى هذا تكون الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة، واستعمال الرؤيا بمعنى رؤية العين ورد في القرآن الكريم وعند أهل اللغة وفي الشعر العربي.

فمن استعمال القرآن الكريم الرؤيا بمعنى الرؤية قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60].

فالمراد بالرؤيا في هذه الآية رؤية العين، وهي ما رآه النبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة أسري به من العجائب والآيات، وبذلك صرح حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأنه رؤية عين أريها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به إلى السموات العلى، فرأى ما رأى من آيات ربه الكبرى، والإسراء كان يقظة من أوله إلى آخره.

فأخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} قال هي: رؤيا عين أريها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليلة أسري به إلى بيت المقدس .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله أريها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليلة أسري به زاد سعيد بن منصور عن سفيان في آخر الحديث: (وليست رؤيا منام) .

قال الحافظ أيضًا: قوله: هي رؤيا عين أريها لم يصرح بالمرئي. وعند سعيد ابن منصور من طريق أبي مالك، قال: هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس .

وتلقى هذا التفسير ما لا يحصى من السلف رحمهم الله.

يقول ابن الأنباري رحمه الله: “المختار في هذه الرؤية أن تكون يقظة ولا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين” .

(والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا) .

وقال أبو جعفر ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: “وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني به رؤيا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى البيت المقدس ليلة أسري به.

قال: وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله – عز وجل – بها .

وزعم بعضهم أن الآية حجة لمن قال إن الإسراء كان منامًا لأن الله عز وجل سماها رؤيا والرؤيا إنما تختص بالمنام .

وتعقب من قال ذلك، ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره بالرد والإنكار بأن ذلك خلاف سياق القرآن وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم والله أعلم .

وأما استعمال الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة في الشعر العربي فكثير، ومن ذلك بيت الراعي يصف فيه ضيفًا طرقه ليلاً فيقول:

فكبر للرؤيا وهش فؤاده … وبشر نفسًا كان قبلُ يُلومُها

وقول أبي الطيب المتنبي لبدر بن عمار، وقد سامره ذات ليلة إلى قطع من الليل:

مضى الليل والفضل الذي لك لا … ورؤياك أحلى في العيون من الغَمْضِ

وقول أبي الفوارس سعد بن محمد بن صيفي :

لو نيل بالقول مطلوب لما حرم … الرؤيا الكليم وكان الحظ للجبل

وقد أنكر هذا الاستعمال الحريري في كتابه “درة الغواص في أوهام الخواص . وغلط أبا الطيب المتنبي في بيته السابق، بحجة أن الرؤيا إنما تختص بالمنام والرؤية باليقظة .

والأدلة السابقة من الكتاب والسنة وأقوال أهل اللغة والشعر العربي ترد على من قال بأن الرؤيا مختصة بالمنام، بل الصواب أن الرؤيا كالرؤية غير أنه غلب استعمال الرؤيا في المنام، والله أعلم.

الفرق بين الرؤيا والحلم

تبين لنا في المبحث الأول، أن الرؤيا في اللغة تعني ما يراه الإنسان في منامه، وهي عبارة عن أمثال مضروبة، وإذا كان الأمر كذلك، فما الفرق بينها وبين الحلم؟

والجواب:

أن الحُلْمُ: بضم الحاء واللام أو ضم الحاء وسكون اللام، وهو ما يراه النائم .

قال الجوهري في الصحاح: (الحُلُم بالضم: ما يراه النائم، تقول منه، حَلَم بالفتح واحْتَلَم.

وتقول: حَلَمْت بكذا، وحَلَمْتُه أيضًا .

وقال ابن منظور في لسان العرب: (الحُلْمُ والحُلُم: الرؤيا، والجمع أحْلام، يقال: حَلَم إذا رأى في المنام.

يقال: حَلَم بالفتح، إذا رأى وتَحَلَّم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا .

فالحُلُم بهذا المعنى اللغوي، وهو ما يراه الإنسان في منامه من الخير والشر، تفسير الاحلام حرف د الدال فهو مرادف للرؤيا، إلا أنه غلب في الاصطلاح الشرعي استعمال الرؤيا في الخير والشيء الحسن، وغلب استعمال الحلم على خلافه.

يقول ابن الأثير ومنه قوله تعالى: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} [يوسف: 44] ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر .

ودل على هذا التفريق أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري رحمه الله من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان» الحديث .

يقول ابن حجر رحمه الله: ظاهر قوله – صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها: (حلم) والتي تضاف إلى الشيطان لا يقال لها: (رؤيا) وهو تصرف شرعي وإلا فالكل يسمى رؤيا، وقد جاء في حديث آخر (الرؤيا ثلاث) فأطلق على الكل رؤيا .

ولهذا من فقه الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح المسند من أحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – وسننه وأيامه أنه في كتاب التعبير وضع بابًا بعنوان الرؤيا من الله وبابًا آخر بعنوان الحلم من الشيطان واستدل بحديث أبي قتادة السابق للتفريق بين الرؤيا والحلم.

ولعل الحكمة والله أعلم في نسبة الرؤيا إلى الله، والحلم إلى الشيطان، أن الله عز وجل كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، فشرع التفريق بين الحق والباطل، بأن جعل الرؤيا ما كان من الله، والحلم ما كان من الشيطان، لأنه الذي يخيل بها ولا حقيقة لها ، فهي من إلقائه وتشويشاته وتلاعبه ووسوسته وتحزينه للإنسان، كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة في نسبتها إلى الشيطان وبيان عداوته للإنسان .

وهذا التفريق بين الرؤيا والأحلام من الاصطلاحات الشرعية، وإن كان كل من الرؤيا والحلم من عند الله عز وجل، وإنما ذلك جار على أدب العبودية من إضافة الخير إلى الله وإضافة الشر إلى غيره ، كما قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79].

وكقوله عن الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10].

وكقول النبي – صلى الله عليه وسلم – في دعاء الاستفتاح: «والخير كله بيديك والشر ليس إليك» .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد علم الصحابة رضي الله عنهما أن ما خالف الشرع والدين فإنه يكون من النفس والشيطان، وإن كان بقضاء الله وقدره .

دلالات الرؤيا

الدلالات: – بكسر الدال وفتحها – جمع دلالة، وهي الإرشاد، واستدل بالشيء على الشيء أي اتخذه دليلاً عليه .

قال الجوهري في الصحاح: “الدَّلِيلُ: ما يُستدلُّ به، والدَليلُ: الدَالُّ وقد دَلَّه على الطريق يُدُّله دَلاَلَة ودِلاَلَة ودُلُولَة. والفتح أعلى” .

وقال الجرجاني في كتاب التعريفات: “الدلالة هي كون الشيء يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول” .

وبناء على ذلك نستطيع أن نقول: إن دلالات الرؤيا، هي الأمور التي ترشد إليها الرؤيا.

ودلالات الرؤيا كثيرة، ومن خلال استقراء بعض نصوص السنة، يتضح لنا شيء من تلك الدلالات، وهذا يعتمد على فقه الحديث، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فمن تلك الدلالات للرؤيا:

أولاً: أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها وصلاحه غالبًا:

ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه بسنده من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إن رجالا من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيقول فيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما شاء الله، وأنا غلام حديث السن وبيتي في المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء. فلما اضطجعت ليلة، قلت اللهم إن كنت تعلم في خيرًا فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم وأنا بينهما أدعو الله: اللهم أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد فقال: لن تراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، له قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، ورأى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل، رءوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالاً من قريش: فانصرفوا بي ذات اليمين، فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن عبد الله رجل صالح» فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يكثر من الصلاة .

وفي رواية فقال – صلى الله عليه وسلم -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فكان بعد لا ينام إلا قليلا» .

وفي رواية فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله – صلى الله عليه وسلم -» .

وفي رواية: (فقلت اللهم إن كان لي عندك خير فأرني مناماً يعبره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها» .

وقال العيني رحمه الله في شرح حديث ابن عمر السابق: “وفيه تمني الرؤيا الصالحة ليعرف صاحبها ماله عند الله” .

وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله: “إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو ممدوح لأنه عرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له لا روع عليك، وذلك لصلاحه، غير أنه لم يكن يقوم من الليل فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يتقى به النار والدنو منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك .

ثانيًا: أنها تدل على تثبيت الله لعباده المؤمنين:

يؤخذ ذلك من قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يوسف: 62 – 64].

والبشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى، والرؤيا الصالحة تدل على بشارة الله لعبده المؤمن ولذلك سماها النبي – صلى الله عليه وسلم – مبشرات، وكقوله عز وجل في غزوة بدر {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ} [الأنفال: 43] وقوله عز وجل: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27] ولهذا في آخر الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وذلك والله أعلم لأن المؤمن في آخر الزمان أشد ما يكون إلى تثبيت الله له في مثل ذلك العصر الذي يقل فيه المساعدون ويكثر فيه المخالفون والمناوئون.

ولهذا أول ما بدئ به النبي – صلى الله عليه وسلم – الوحي كان الرؤيا الصالحة .

ثالثًا: أنها تدل على اهتمام صاحبها بما يراه في المنام:

فالإنسان إذا اهتم بشيء فإنه كثيرًا ما يراه في منامه، فيرى رؤيا متعلقة بهذا الذي شغله في اليقظة.

ولذلك لما كان الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، يشغل الإسلام قلوبهم، كانوا وهم يتقلبون في فرشهم يرون ما يشغل بالهم وما يهتمون به في يقظتهم، وانظر إلى أي لون من المرائي التي كانوا يرونها.

ولذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا صلى الفجر التفت إلى أصحابه وقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فإن رأى أحد رؤيا قصها ..» .

فكون النبي – صلى الله عليه وسلم – يسأل أصحابه «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» دليل على أن أولئك الرجال من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – كان الإسلام يشغل قلوبهم ومن تلك المرائي لأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رؤياهم لليلة القدر ورؤياهم للآذان ورؤيا الطفيل أخي عائشة رضي الله عنها في قول ما شاء الله وشاء محمد ورؤيا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما التي سبقت معنا، فلما كان يفكر في اليقظة في شأن الجنة والنار، وقد شغلت باله، رأى رؤيا تناسب هذا الهم الذي شغله.

رابعًا: أن رؤيا السوء تدل على تلاعب الشيطان بالإنسان:

كما أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال جاء أعرابي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره.

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك» وقال سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد يخطب، فقال: «لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه» .

فإذا رأى الإنسان رؤيا سوء فليعلم أن ذلك من تحزين الشيطان وتلاعبه، فلذا جاءت السنة بالآداب التي يقولها ويفعلها المسلم عندما يرى رؤيا سوء.

تعلُّق الرؤيا بالروح

تعريف الروح وصفاتها وخصائصها

البحث في صفات الروح جائز بما دل عليه الكتاب والسنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وليس في الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه الكتاب والسنة، لا في ذاتها ولا في صفاتها، وأما الكلام بغير علم فذلك محرم في كل شيء .

فإذا كان الأمر كذلك، فإن الروح التي فينا قد وصفت بصفات عديدة، فقد أخبرت النصوص الصحيحة أنها:

موجودة، حية، عالمة، قادرة، سميعة، بصيرة، وتفيض، وتخرج، وتصعد من سماء إلى سماء، وتنزل، وتذهب، وتجيء، ويشار إليها، ويتبعها بصر الميت، وتتكلم، وتسل كما تسل الشعرة من العجينة، ونحو ذلك من صفاتها

كما أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أبي سلمة وقد شَقَّ بصره فأغمضه. ثم قال: «إن الرُّوح إذا قُبض تبعه البصر» .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في حديث طويل «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول:

أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.

قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض.

قال: فيصعدون بها …» الحديث .

وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها» .

وأخرج النسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا حضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون اخرجي راضية مرضيًا عنك إلى روح من الله وريحان ورب غير غضبان فتخرج كأطيب ريح مسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا» .

وأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيها النفس الطيبة فلا يزال يقال لها حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء» .

فهي بهذه الصفات ونحوها، ذات قائمة بنفسها، ولكن العقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره .

هل روح النائم تفارق جسده في المنام؟

ذكرت في المسألة السابقة شيئًا من صفات الروح وخصائصها، فهل من صفاتها أن روح النائم تفارق جسده في المنام؟

والجواب على هذا السؤال يتضح بعد بيان تعلق الروح بالجسد .. وتعلق الروح بالجسد عند أهل السنة والجماعة على خمسة أحوال متغايرة الأحكام .

الحالة الأولى: تعلق الروح بالجسد في بطن الأم عندما يكون جنينًا.

الحالة الثانية: تعلق الروح بالجسد بعد خروجه إلى وجه الأرض في حال اليقظة.

الحالة الثالثة: تعلق الروح بالجسد في حالة النوم، وهذا التعلق بالجسد من وجه ومفارقة من وجه .

الحالة الرابعة: تعلقها بالجسد في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه لم تفارقه فراقًا كليًا بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة بل تعود إليه، فلا يوصف بأنه حي حياة دنيوية مستقرة، بل روحه متعلقة بجسده بكيفية أضعف مما هي عليه في الدنيا، ولذلك لا يدركها الناس.

قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: “وقد تواترت الأخبار عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وسؤال الملكين فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول ولكنه يأتي بما تحار فيه العقول؛ فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا .

الحالة الخامسة: تعلقها به يوم البعث، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا فالنوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة، كما جاء في الحديث ولهذا يكون لأهل الجنة أتم النعيم ولأهل النار أشد العذاب.

فتأمل هذه الأحوال يزح عنك إشكالات كثيرة.

والذي يهمنا في هذا البحث، هو بيان تعلق الروح بالجسد في حال النوم، وأنها تتعلق به من وجه وتفارقه من وجه، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله عز وجل يتوفى روح النائم في حال النوم، ومن تلك الأدلة:

أولا: قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} [الأنعام: 60].

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم -: وقل لهم يا محمد، والله أعلم بالظالمين، والله هو الذي يتوفى أرواحكم بالليل فيقبضها من أجسادكم ويعلم ما جرحتم بالنهار .

وقال البغوي رحمه الله: قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} أي يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل .

وقال الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان: «ذكر في هذه الآية الكريمة أن النوم وفاة، وأشار في موضع آخر إلى أنه وفاة صغرى وأن صاحبها لم يمت حقيقة، وأنه تعالى يرسل روحه إلى بدنه حتى ينقضي أجله، وأن وفاة الموت التي هي الكبرى قد مات صاحبها ولذا يمسك روحه عنده» .

ثانيًا: قال تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42].

فأخبر في هذه الآية، بتوفيها وإمساكها وإرسالها.

سئل ابن الصلاح رحمه الله عن هذه الآية، فقال المستفتي: نحب تفسيرها على الوجه الصحيح بحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الصحاح أو بما أجمع أهل الحق على صحته.

فأجاب رحمه الله: «أما قوله تبارك وتعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ …} الآية، فتفسيره: الله يقبض الأنفس حين انقضاء أجلها بموت أجسادها فلا يردها إلى أجسادها، ويرسل الأخرى التي لم تقبض بموت أجسادها حتى تعود إلى أجسادها إلى أن يأتي أجلها المسمى لموتها».

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} لدلالات للمتفكرين على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى وعلى أمر البعث؛ فإن الاستيقاظ بعد النوم شبيه به، ودليل عليه، فهذا واضح، والذي يشكل في ذلك أن النفس المتوفاة في المنام أهي الروح المتوفاة عند الموت أم هي غيرها؟ فإن كانت هي الروح فتوفيها في النوم يكون بمفارقتها الجسد أم لا، وقد أعوز الحديث الصحيح والنص الصريح والإجماع أيضًا لوقوع الخلاف فيه بين العلماء:

فمنهم: من يرى أن للإنسان نفسًا تتوفى عند منامه غير النفس التي هي الروح، والروح لا تفارق الجسد عند النوم، وتلك النفس المتوفاة في النوم هي التي يكون بها التمييز والفهم، وأما الروح فبها تكون الحياة ولا تقبض إلا عند الموت .

ومنهم: من ذهب إلى أن النفس التي تتوفى عند النوم هي الروح نفسها. واختلف هؤلاء في توفيها:

(أ) فمنهم: من يذهب إلى أن معنى وفاة الروح بالنوم قبضها عن التصرف مع بقائها في الجسد، وهذا موافق للأول من وجه، ومخالف له من وجه .

(ب) ومنهم: من ذهب إلى أن الروح تتوفى عند النوم بقبضها من الجسد ومفارقتها له، وهذا الذي نجيب به، وهو الأشبه بظاهر الكتاب والسنة.

والفرق بين القبضتين والوفاتين أن الروح في حالة النوم تفارق الجسد على أنها تعود إليه فلا تخرج خروجًا تنقطع به العلاقة بينها وبين الجسد، بل يبقى أثرها الذي هو حياة الجسد باقيًا فيه، فأما حالة الموت فالروح تخرج من الجسد مفارقة له بالكلية فلا تخلف فيه شيئا من أثرها، فلذلك تذهب الحياة معها عند الموت دون النوم، ثم إن إدراك كيفية ذلك والوقوف على حقيقته متعذر فإنه من أمر الروح، وقد استأثر بعلمه الجليل، تبارك وتعالى، فقال سبحانه: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].اهـ .

وقال القرطبي رحمه الله بعد أن ذكر الأقوال السابقة: «ويقال: هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى، وهذا أصح الأقوال، والله أعلم» .

وقال أيضًا رحمه الله في تفسير آية الزمر: «فقد اختلف الناس في هذه الآية في النفس والروح، هل هما شيء واحد أو شيئان على ما ذكرنا، والأظهر أنها شيء واحد، وهذا هو الذي تدل عليه الآثار الصحاح» .

ومما يدل على مفارقة روح النائم لجسده، وأن الروح هي النفس الأحاديث التالية.

أولا: ما أخرجه البخاري من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: سرنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله قال: «أخاف أن تناموا عن الصلاة» قال بلال: أنا أوقظكم فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد طلع حاجب الشمس، فقال: «يا بلال أين ما قلت؟» قال: ما ألقيت على نومة مثلها قط.

قال: «إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء» الحديث .

وفي لفظ لمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال بلال رضي الله عنه: «أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك» .

فوصفها في هذا الحديث بالقبض والرد.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: «إن الله قبض أرواحكم» هو كقوله تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} ولا يلزم من قبض الروح الموت؛ فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط .

وفي هذا الحديث جعل الروح والنفس بمعنى واحد وأنها هي التي تقبض وترد .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه» .

ومن العلماء من يفصل في إطلاق النفس والروح فيقول: إن الروح والنفس وإن اطلقتا على تلك اللطيفة الربانية، إلا أنه غالبًا ما يسمى نفسًا إذا كانت الروح متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسميته الروح أغلب عليها .

ثانيًا: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا أوى إلى فراشه قال: «اللهم باسمك أحيا وأموت»، وإذا أصبح قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» .

فقد سمَّى النبي – صلى الله عليه وسلم – النوم موتًا والاستيقاظ حياة وقال في الحديث الذي أخرجه البيهقي من حديث جابر رضي الله عنه: «النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة» .

ثالثًا: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه قال: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك محياها ومماتها، فإن أحييتها فاحفظها وإن أمتها فاغفر لها» فقال له رجل سمعت هذا من عمر؟ قال: من خير من عمر، من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .

رابعًا: ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ بداخله إزاره فلينفض بها فراشه، وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع، فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك اللهم ربي بك وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي، فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» .

زاد الترمذي: «فإذا استيقظ فليقل: الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي بذكره» .

خامسًا: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث علي رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – طرقه وفاطمة بنت النبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة فقال: «ألا تصليان؟» فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله عز وجل، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا .

سادسًا: أخرج الإمام أحمد في كتاب الزهد عن الحسن البصري رضي الله عنه قال: إذا نام العبد وهو ساجد باهى الله به الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي جسده في طاعتي وروحه عندي .

فالشاهد من هذه الآيات والأحاديث، أن الله عز وجل يقبض روح النائم ويردها إليه حيث شاء سبحانه.

دل على ذلك لفظ الوفاة، والبعث، والإرسال، والموت، والحياة، وإن أحييتها، ورد علي روحي، والنوم أخو الموت، وأنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا وقوله – صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قبض أرواحكم حيث شاء وردها عليكم حيث شاء».

أما كيفية هذا القبض والخروج فلا يعلمها إلا الله، فنحن نؤمن ونصدق بهذه الصفات التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، ونكل كيفية ذلك إلى بارئها سبحانه وتعالى.

ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الأحاديث السابقة في الأدعية عند النوم والاستيقاظ، قال: (ففي هذه الأحاديث من صعود الروح إلى السماء، وعودها إلى البدن ما يبين أن صعودها نوع آخر ليس مثل صعود البدن ونزوله) .

في موضع آخر يقول رحمه الله: (والروح تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى، وتفارقه متى شاء الله تعالى، لا يتوقف ذلك بمرة ولا مرتين، والنوم أخو الموت).

ثم قال رحمه الله ولهذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول إذا أوى إلى فراشه: «باسمك اللهم أموت وأحيا» وكان إذا استيقظ يقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور» فقد سمى النوم موتًا، والاستيقاظ حياة.

ثم استدل بآية الزمر السابقة، ثم قال: ولهذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا أوى إلى فراشه قال: «باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك ارفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».

والنائم يحصل له في منامه لذة وألم، وذلك للروح والبدن، حتى إنه يحصل له في منامه من يضربه، فيصبح والوجع في بدنه، ويرى في منامه أنه أطعم شيئًا طيبًا فيصبح وطعمه في فمه وهذا موجود .

ويثبت رحمه الله أن روح النائم تعرج إلى السماء مع أنها في البدن، فليس عروجها من جنس عروج البدن، بل ذلك يختلف بكيفيةٍ الله أعلم بها