tafsir al ahlam و أقسام الرؤيا الصالحة

يقول الإمام العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه “الروح”: (الرؤيا الصالحة أقسام) ثم عدد رحمه الله خمسة أقسام وهي:
منها إلهام يلقيه الله سبحانه وتعالى في قلب العبد:
وهو الكلام يكلم به الرب عبده في المنام، كما قال عبادة بن الصامت وغيره.
وهذا القسم من الرؤيا الصالحة يمكن أن يستدل له بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ويؤيد ذلك : (الوحي هو الإعلام السريع الخفي، إما يقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) كما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في الصحاح وقال عبادة ويروى مرفوعًا «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام …» فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا.
ويقول الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم رحمه الله في كتابه السنة: “باب ما ذكره عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: أن الله تعالى يكلم عبده المؤمن في منامه، ثم ذكر حديث عبادة بن الصامت يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويمكن أن يستدل أيضًا لهذا النوع من الرؤيا الصالحة، بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – كما في حديث أبي قتادة رضي الله عنه: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» وغيره من الأحاديث التي تبين أن هناك نوعًا من الرؤيا يكون من الله.
ومنها: مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها:
أقسام الرؤيا الصالحة
أما كون الرؤيا عبارة عن أمثال: فقد سبق لنا بيان ذلك عند الحديث عن حقيقة الرؤيا.
أما مسألة ملك الرؤيا الموكل بها، فقد قال به جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين.
يقول عياض رحمه الله: “وقال كثير من العلماء إن للرؤيا ملكًا وكل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له أو يقدر عليه من خير أو شر .
وكذا ذكرها ابن القيم رحمه الله في أكثر من كتاب وابن العربي وابن حجر رحمهم الله .
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: “رؤيا المؤمن تقع صادقة لأنها أمثال يضربها الملك للرائي … .
ويرى بعض أهل العلم التوقف في إثبات ملك الرؤيا؛ لأنه يحتاج إلى دليل شرعي كما قال القرطبي رحمه الله .
ويمكن أن يستدل للقائلين بوجود ملك موكل رؤيا بالنصوص العامة التي ثبت حفظ الملائكة لنبي آدم، وأن للملك لمة وهي إيعاد الخير، فمن ذلك.
(أ) ما أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان وابن جرير من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد الشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة: 268]» الآية.
(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه والدارمي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» قال: يا رسول الله وإياك؟ قال: «وإياي إلا إن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» .
ومنها: التقاء روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم:
كما ذكرنا .
وقد ذكرت ذلك بحمد لله، في مسألة تلاقي أرواح الأحياء والأموات، وأقوال أهل العلم في هذه المسألة.
ومنها: عروج روحه -أي النائم- إلى الله سبحانه وخطابها له :
واستدل ابن القيم رحمه الله على هذا القسم من الرؤيا بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لقي عليًا فقال يا أبا الحسن ربما شهدت وغبنا، وشهدنا وغبت ثلاث أسألك عنهن فهل عندك علم؟
ثم ذكر الثالثة فقال: (والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، فقال نعم: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «ما من عبد ينام يمتلئ نومًا إلا عرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب» .
قال ابن منده – رحمه الله – هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره.
وقال أبو عبد الله بن منده أيضًا: وروي عن أبي الدرداء قال: (إذا نام الإنسان خرج بروحه حتى يؤتى بها العرش قال: فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كان جنبًا لم يؤذن لها بالسجود، رواه زيد بن الحباب وغيره) .
وروى البيهقي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: (تعرج الأرواح في منامها فما كان منها طاهرًا سجد أمام العرش، وما كان غير طاهر سجد قاصيًا) .
وفي مراسيل الحسن رحمه الله قال: (إذا نام العبد وهو ساجد، باهى الله به الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي جسده في طاعتي وروحه عندي) .
وسبق البحث في أن روح النائم تفارق جسده من وجه دون وجه كما قال تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42].
لكن مسألة السجود تحت العرش وعروج روح النائم إلى الله سبحانه تحتاج إلى دليل أصح وأصرح من هذه الآثار التي يعتريها بعض الضعف.
منها: دخول روحه- أي النائم – إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك :
وهذا القسم يمكن أن يستدل له بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت الليلة دف نعليك بين يدي في الجنة» قال بلال: (ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قول: (عند صلاة الفجر) فيه إشارة إلى أن ذلك في المنام لأن عادته أنه كان يقص ما رآه ويعبر ما رآه أصحابه بعد صلاة الفجر .
وقال الكرماني: “ظاهر الحديث أن السماع المذكور وقع في النوم، لأن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت ، ويحتمل أن يكون يقظة, لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – دخلها ليلة المعراج، وأما بلال فلا يلزم من هذه القصة أنه دخلها، لأن قوله (في الجنة) ظرف للسماع ويكون الدف بين يديه خارجًا عنها .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معقبًا على كلام الكرماني: (ولا يخفى بعد هذا الاحتمال لأن السياق مشعر بإثبات فضيلة بلال، لكونه جعل كسب الذي بلغه إلى ذلك ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة، وإنما ثبت له الفضيلة بأن يكون رؤي داخل الجنة لا خارجًا عنها) .
وما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جنب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرتك فوليت مدبرًا» وعمر حين يقول ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جالس عنده مع القوم فبكى عمر حين سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (أعليك بأبي أنت وأمي أغار يا رسول الله) .
وحاصل هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذلك في المنام.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله (رأتني في الجنة) هذا وإن كان منامًا لكن رؤيا الأنبياء حق، ومن ثمَّ أعمل حكم غيرة عمر حتى امتنع من دخول القصر، وقد روى أحمد من حديث معاذ قال: «إن عمر في الجنة» وذلك أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان ما يرى في يقظته أو نومه سواء، وأنه قال: «بينما أنا في الجنة: إذ رأيت فيها جارية، فقلت لمن هذا؟ فقيل لعمر بن الخطاب» .
ولهذا ذكر البخاري رحمه الله هذا الحديث في صفة الجنة .
وقال الحافظ: قوله «تتوضأ» يحتمل أن يكون على ظاهره ولا ينكر كونها تتوضأ حقيقة لأن الرؤيا وقعت في زمن التكليف، والجنة وإن كان لا تكليف فيها فذلك في زمن الاستقرار، بل ظاهر قوله «تتوضأ جانب القصر» أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير حقيقة، ورؤيا المنام لا تحتمل على الحقيقة بل تحتمل التأويل دائمًا، وقد ترجم عليه البخاري في كتاب التعبير باب الوضوء في المنام .
وأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث بريدة رضي الله عنه قال: (أصبح رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فدعا بلالاً فقال: «يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط، إلا سمعت خشخشتك أمامي، وإني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف، فقل: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، قلت: أنا عربي، لمن هذا القصر، قالوا لرجل
من المسلمين من أمة محمد، قلت: فأنا محمد. لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر» فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك, وقال لبلال: «بم سبقتني إلى الجنة» قال: ما أحدثت إلا وتوضأت وصليت ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «بهذا» .
قال الترمذي: “ومعنى هذا الحديث؛ أني دخلت البارحة الجنة، ويعني في المنام كأني دخلت الجنة، هكذا روي في بعض الأحاديث، ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال – صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا الأنبياء وحي» .
ويؤيد كون هذا الدخول وقع في منام، ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خَشْفة فقلت، من هذا فقال: هذا بلال …» الحديث .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «دخلت الجنة، أو أتيت الجنة، فأبصرت قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» الحديث .
وما أخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش …» الحديث .
وما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فقلت: ما هذا؟ قالوا: الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك» .
وما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان» فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «كذلك البر، كذلك البر» وكان أبر الناس بأمه .
فلعل هذه الأحاديث تكون دليلاً لمن قال بدخول روح النائم إلى الجنة، وإن كان الدليل فيها محتملاً, لأن رؤية النائم قد تكون عبارة عن ضرب أمثال للنائم، ولكن كون الذي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد استدل البخاري بها على صفة الجنة، فإن هذا مما يقوي ما ذكره ابن القيم رحمه الله وإن كانت المسألة تحتاج إلى دليل صريح، والله أعلم بالصواب.

أقسام الرؤى وتفسير الاحلام

في مبحث الفرق بين الرؤيا والحلم، اتضح أن الرؤيا والحلم في الأصل بمعنى واحد في اللغة، فتطلق الرؤيا ويراد بها كل ما يراه الإنسان في منامه من الخير والشر، والحسن والقبيح، وبناء على هذا التعريف نستطيع أن نقسم الرؤيا إلى ثلاثة أقسام، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة.
فقد ثبت عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قسم الرؤيا إلى ثلاثة أقسام كما في حديثي أبي هريرة وعوف بن مالك رضي الله عنهما.
وسوف أورد إن شاء الله طرق الحديثين، لكي نستطيع حصر أوصاف الرؤيا الصالحة كما يلي.
أولا: حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
وقد روي عنه من طرق عدة وبألفاظ متقاربة منها:
(أ) أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، والرؤيا ثلاث، الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدث بها الرجل عن نفسه، والرؤيا تحزين من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فلا يحدث بها أحدًا وليقم وليصلِّ».
ورواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق عبد الرزاق.
وساق الإمام مسلم إسناده من طريق عبد الرزاق .
(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون عن هشام بن حسان، عن محمد ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» قال: وقال: «الرؤيا ثلاثة: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، عز وجل، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصلِّ» .
وقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه .
(ج) وأخرجه الترمذي والنسائي في السنن الكبرى، من طريق قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا ثلاث، فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، فمن رأى ما يكره فليقم فليصل» .
(د) أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه، والإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه وابن ماجة في سننه من طريق عوف الأعرابي قال: حدثنا محمد بن سرين أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب» قال محمد: وأنا أقول هذه قال: وكان يقال: «الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله، فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل» .
ثانيًا: حديث عوف بن مالك رضي الله عنه:
أخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة، وابن حبان، في صحيحه من حديث عوف ابن مالك رضي الله عنه عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
زاد ابن ماجة من حديث أبي عبيد الله مسلم بن مشكم قال: قلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم أنا سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنا سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .
يقول الإمام البغوي رحمه الله: وقوله: «الرؤيا ثلاثة» فيه بيان أن ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا، ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله عز وجل، يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها.
وهي على أنواع قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان، أو يريه ما يحزنه، وله مكايد يحزن بها بني آدم، كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10].
ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل، فلا يكون له تأويل.
وقد يكون ذلك من حديث النفس، كمن يكون في أمر، أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك, فلا تأويل لشيء منها .
وفي بيان هذه الأقسام يقول ابن العربي المالكي رحمه الله تقسيمه الرؤيا على ثلاثة أقسام، هي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني، وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع.
وإنما الصحيح ما قاله النبي – صلى الله عليه وسلم – وهي الرؤيا البشرى إما بمحبوب وإما بمكروه، وإما تحزين من الشيطان يضرب له الأمثال المكروهة الكاذبة ليحزنه ومن هذا الحديث الصحيح أن رجلا قال له إني رأيت رأسي قطع فأنا أتبعه، فقال: «لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام» .
وأما خطرات الوساوس، وحديث النفس فيجري على غير قصد ولا عهد في المنام جريانها في اليقظة، وفي رواية: «فالرؤيا من الله، والحلم من الشيطان» يريد ما لا يتحصل مما يحزن .
ويصف ابن القيم رحمه الله هذه الأقسام الثلاثة بقوله: والرؤيا فيها رحماني، وفيها نفساني، وفيها شيطاني .
فالحاصل أن ما يراه الإنسان في منامه لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة:
القسم الأول: رؤيا الحق الصالحة:
ولأهمية هذه الرؤيا سوف أفرد لها مبحثًا خاصًا إن شاء الله أبين فيه صفاتها، وأقسامها وعلاماتها وما يتعلق بها من مسائل مهمة.
القسم الثاني: حديث النفس:
وهي كما وصفت في الحديث «مما يحدث به المرء نفسه» وفي لفظ: «ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه» وهي: ما يراه الإنسان في منامه مما يقع له في مجريات حياته، من الخواطر التي تجري من غير قصد، وهذا كثير في مرائي الناس، كمن يرى أنه يأكل ويشرب ونحو ذلك مما تحدث به نفسه في اليقظة.
وعلامة هذا القسم أنه من الأمور المباحة، فلا يسُرُّ كحال الرؤية الصالحة ولا يحزن كالتي من الشيطان، ومثلها الهم والخواطر في اليقظة.
وهذا القسم لا حكم له، ولا دلالة له.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: حديث النفس لا خير ولا شر ولا بأس بأن يحدث به، ولذلك جاء الخبر في بعض الأحاديث بتقسيم الرؤيا قسمين: من الله، ومن الشيطان كحديث أبي قتادة، وذلك لأن أحاديث النفس لا حكم لها .
القسم الثالث: الحلم.
وهو إفزاع من الشيطان، فإن الشيطان يصور للإنسان في منامه ما يفزعه وجاء وصفه في الحديث: «والرؤيا السوء من الشيطان».
وأخرج البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» .
وفي حديث أبي هريرة السابق في وصف الحلم بأنه: «تحزين من الشيطان» وفي لفظ: «تخويف من الشيطان» وفي حديث عوف بن مالك «منها أهاويل من الشيطان يحزن بها ابن آدم».
وفي حديث جابر السابق، قال الرجل: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره, فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – له: «لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك».
وقال: سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد، يخطب فقال: لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان في منامه .
قال السفاريني – رحمه الله تعالى – في شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد: اللعب ضد الجد والمراد هنا بتلعب الشيطان، أنه يريه في منامه ما يحزنه ويدخل عليه الهم والغيظ ويخلط عليه في رؤياه فهو يتلاعب به .
ومن علامات هذا القسم وكونه من الشيطان، مخالفته للشرع، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد علم الصحابة أن ما خالف الشرع والدين فإنه يكون من النفس والشيطان، وإن كان بقدر الله، وإن كان يعفى عنه صاحبه كما يعفى عن النسيان والخطأ.
ولذلك الاحتلام في المنام من الشيطان، فالنائم يرى في منامه ما يكون من الشيطان .
وقال ابن القيم رحمه الله: إن خالفت الشرع ردت مهما كان حال الرائي، ويحكم على تلك الرؤيا بأنها من الشيطان، وأنها كاذبة وأضغاث أحلام .
وهذا القسم من الرؤيا، لا حكم لها ولا تعبير لها ولا تنذر بشيء. وهي التي أرشدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى التحرز منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في آداب إذا رأى ما يكره.
وما ذكرت من دلالة الأحاديث على أن الرؤيا ثلاثة أقسام. يرد على من قال من العلماء إن الحصر ليس مرادًا، ومن هؤلاء ابن حجر رحمه الله حيث قال: وليس الحصر مرادًا من قوله ثلاث لثبوت نوع رابع في حديث أبي هريرة في الباب وهو حديث النفس ، وليس في حديث أبي قتادة وأبي سعيد الماضيين سوى ذكر وصف الرؤيا بأنها مكروهة ومحبوبة أو حسنة وسيئة .
ويمكن أن يجاب عن هذا القول من وجهين:
الوجه الأول: أن (حديث النفس) الثابت في حديث أبي هريرة هو نفسه النوع الثالث في حديث عوف بن مالك بلفظ: «ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه».
الوجه الثاني: قول الحافظ رحمه الله: وليس في حديثي أبي قتادة وأبي سعيد الماضيين سوى ذكر الرؤيا بأنها مكروهة ومحبوبة أو حسنة وسيئة، فهذا دليل لنا في ثبوت نوع ثالث، وليس دليلاً له في ثبوت نوع رابع، ثم السبب في عدم ذكر حديث النفس في حديث أبي قتادة وأبي سعيد رضي الله عنهما، هو كما قال ابن العربي المالكي رحمه الله: يريد ما لا يتحصل مما يحزن لأن حديث النفس لا حكم له، ولا تأثير له، كما هو معروف.
ثم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وبقي نوع خامس: وهو تلاعب الشيطان، وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأني رأسي قطع فأنا أتبعه وفي لفظ (فقد خرج فاشتددت في أثره) فقال: «لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام» وفي رواية له «إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يخبر به الناس» .
ويمكن أن يجاب عن هذا النوع بأنه، وارد في تقسيمه – صلى الله عليه وسلم – للرؤيا: وهو قوله – صلى الله عليه وسلم – في حديث أبي هريرة: «والرؤيا تحزين من الشيطان» وفي لفظ «وتخويف من الشيطان».
وفي حديث عوف بن مالك بلفظ: «منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم» وهذا هو تلاعب من الشيطان المذكور في حديث جابر.
ثم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ونوع سادس: وهو رؤيا ما يعاده الرائي في اليقظة كمن كانت عادته أن يأكل في وقتت فنام فيه فرأى أنه يأكل، أو بات طافحًا من أكل أو شرب فرأى أنه يتقيأ، وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص .
ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه مذكور في قوله – صلى الله عليه وسلم – في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه».
وفي لفظ: «والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه».
وفي لفظ: «حديث النفس».
وفي حديث عوف بن مالك رضي الله عنه: «ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه».
ثم قال الحافظ رحمه الله: «وسابع وهو الأضغاث» .
والأضغاث جمع ضِغْث، قال الجوهري في “الصحاح” والضِغْثُ قَبضةُ حشيش مختلطة الرَطْبِ باليابس.
وأضغاث الأحلام، الرؤيا التي لا يصحُّ تأويلها لاختلاطها .
وهي بهذا المعنى الأحلام التي من الشيطان كما أجبنا عن ذلك في النوع الخامس.
والحاصل من ذلك أننا نقول كما قال ابن عبد البر رحمه الله: (قد قسم النبي ص الرؤيا أقسامًا تغني عن قول كل قائل) والله أعلم.