هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة

الرؤيا الصادقة قد تقع من الكافر كما سبق تفصيل ذلك، والأحاديث التي ذكرتها في هذا البحث جاءت مقيدة ومطلقة فيمن أضيفت إليه الرؤيا.
فمرة جاءت مقيدة بالرؤيا من المؤمن، ومرة برؤيا المسلم، ومرة بالرؤيا الصالحة من الرجل الصالح.
وفي بعض الروايات أطلقت الرؤيا الصالحة فلم تقيد بكونها من المؤمن، أو غيره، وهذه الروايات قليلة، فهل تدخل رؤيا الكافر الصادقة في هذا الإطلاق فتنسب إلى أجزاء النبوة أو لا؟
tafsir al ahlam رؤيا الكافر
والجواب أن لأهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة قولان:
القول الأول: يظهر من كلام ابن عبد البر رحمه الله أنه يرى العموم.
حيث قال في قوله – صلى الله عليه وسلم -: «يراها الرجل الصالح أو ترى له» قال: فظاهره أن لا تكون الرؤيا من النبوة جزءًا من ستة وأربعين، إلا على ذلك الشرط للرجل الصالح أو منه.
وفي حديث ابن عباس «يراها المسلم» ولم يقل صالحًا ولا طالحًا، وفي بعض ألفاظه، «يراها العبد» وهذا أوسع أيضًا.
وقوله: «أو ترى له» عمومه من الصالح وغيره والله أعلم .
ويرى رحمه الله أن الاختلاف في هذه القيود مثل الاختلاف في أجزاء النبوة حيث قال: وأما قوله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث: «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح»
وربما جاء في الحديث «الرؤيا الصالحة» فقط، وربما جاء في الحديث أيضًا «رؤيا المؤمن» فقط وربما جاء «يراها الرجل الصالح أو ترى له» يعني من صالح وغير صالح، وهي ألفاظ المحدثين، والله أعلم بها.
والمعنى عندي – أي ابن عبد البر – في ذلك على نحو ما ظهر لي في الأجزاء المختلفة من النبوة .
وسبق أنه يرى رحمه الله في اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء الرؤيا من النبوة أن ذلك على حسب ما يكون الذي يراها من صدق الحديث، وأداء الأمانة والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد.
فالذي يظهر من كلامه يرحمه الله أنه يرى أن ذلك ليس بعيدًا، وأن رؤيا غير الصالح قد تنسب إلى أجزاء النبوة، لكنها من أقصى الأجزاء الواردة في الأحاديث.
القول الثاني: يرى جماهير أهل العلم، أن رؤيا الكافر الصادقة لا تنسب إلى أجزاء النبوة.
واستدلوا بتقييد الرؤيا الصالحة بالرجل الصالح أو المسلم أو المؤمن، وأما الروايات التي جاءت مطلقة فتحمل على المقيد.
وقالوا: إن الصالح حاله هو الذي يناسب حال النبي – صلى الله عليه وسلم – بخلاف الكافر .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: «من الرجل الصالح» هذا يقيد ما أطلق في غير هذه الرواية، كقوله «رؤيا المؤمن» ولم يقيدها بكونها حسنة، ولا بأن رائيها صالح .
فإن قيل: قد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه، كرؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات، ورؤيا الفتيين في السجن.
وقد ترجم البخاري رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح،، بابًا بعنوان باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك .
فالجواب: أن الكافر والفاسق وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، بدليل أن الكاهن والمنجم قد يحدث أحدهم ويصدق ولكن على الندرة والقلة.
وكذلك رؤيا الكافر قد تصدق لكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المختلفة الفاسدة.
وأما ترجمة البخاري في صحيحه بباب رؤيا أهل السجون، فقال المهلب رحمه الله: إنما ترجم البخاري بهذا لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها، إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءًا من النبوة.
قال ابن حزم رحمه الله: وقد تصدق رؤيا الكافر ولا تكون حينئذ جزءًا من النبوة، ولا من المبشرات، ولكن إنذارًا له ولغيره ووعظًا .
وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله: وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد من أجزاء النبوة، وقيل تعد من أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلا.
فالحاصل أن الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا كانت من مسلم صادق، ومن ثم جاءت مقيدة في أغلب الأحاديث، وما جاء في بعض ألفاظها من الإطلاق، فيحمل المطلق على المقيد، وبهذا الإطلاق تخرج رؤيا الكافر الصادقة.

معنى كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة

دلَّت الأحاديث السابقة على أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، فما معنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة؟ وهل يقال لصاحب الرؤيا الصالحة شيء من النبوة؟
والجواب: أن الرؤيا الصالحة لا تخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن تكون الرؤيا الصالحة من الأنبياء:
tafsir ahlam رؤيا الانبياء
فهي في هذه الحالة جزء من أجزاء النبوة، لما سبق تفصيله في كون رؤيا الأنبياء وحي.
قال الخطابي رحمه الله: ومعنى الحديث؛ تحقيق الرؤيا، وأنها مما كان الأنبياء يثبتونه ويحققونه، وأنها كانت جزءًا من أجزاء العلم الذي كان يأتيهم، والأنباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم، والله أعلم .
وقال البغوي رحمه الله: قوله: «جزء من النبوة» أراد تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وإنما كانت جزءًا من النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم
وقال الكرماني رحمه الله: قوله: «من النبوة» أي: في حق الأنبياء دون غيرهم وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة.
وهذا التوجيه لهذه الأحاديث وإن كان لا خلاف فيه، فإنه غير وارد في هذه الأحاديث، لأنها جاءت في بيان رؤيا الرجل الصالح أو رؤيا المؤمن ونسبتها إلى النبوة فما معنى كون رؤيا المؤمن جزءًا من أجزاء النبوة؟ وليس رؤيا الأنبياء.
الحالة الثانية: أن تكون الرؤيا الصالحة من المؤمن الصالح:
للعلماء رحمهم الله، في بيان معنى كون رؤيا المؤمن الصالح جزءًا من أجزاء النبوة توجيهان:
التوجيه الأول: أن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة:
قال الخطابي رحمه الله: قال بعض العلماء: أن الرؤيا تجيء موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة .
وقال البغوي رحمه الله: وقيل: أراد به أنه كالنبوة في الحكم والصحة .
وقال ابن العربي رحمه الله: القدر الذي أراده النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يبين أن الرؤيا جزء من النبوة في الجملة لنا، لأنه اطلاع على الغيب تفسير الاحلام لكلمة جارية وذلك قوله: لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات.
وقال ابن عبد البر رحمه الله: وقد يحتمل أن تكون الرؤيا جزءًا من النبوة، لأن فيها ما يعجز كالطيران، وقلب الأعيان، ولها تأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل.
وقال ابن بطال رحمه الله: كون الرؤيا جزء من أجزاء النبوة مما يستعظم فيمكن أن يقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء وهو الإعلام لغة، فالمعنى أن الرؤيا خبر صادق من الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة نبأ صادق من الله لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرؤيا النبوة في صدق الخبر.
وقال السفاريني رحمه الله في شرح ثلاثيات المسند في معنى هذه الأحاديث:
ومعنى ذلك أن الرؤيا الصالحة تجيء في الصحة والبيان، موافقة النبوة، لأن النبوة انقطعت بموته – صلى الله عليه وسلم – .
وقال الحافظ بن حجر رحمه الله: قال ابن الجوزي: لما كانت النبوة تتضمن اطلاعًا على أمور يظهر تحقيقها فيما بعد، وقع تشبيه رؤيا المؤمن بها.
وقال ابن التين رحمه الله: معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي، ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا .
وقال الباجي رحمه الله: وصفها بأنها جزء من النبوة لما كان فيها من الإنباء بما سيكون في المستقبل على وجه يصح، ويكون من عند الله عز وجل.
وقال أبو زرعة العراقي رحمه الله: لا يتخيل من هذا الحديث أن رؤيا الصالح جزء من أجزاء النبوة، فإن الرؤيا إنما هي من أجزاء النبوة في حق الأنبياء عليهم السلام، وليست في حق غيرهم من أجزاء النبوة، ولا يمكن أن يحصل لغير الأنبياء جزء من النبوة، وإنما المعنى أن الرؤيا الواقعة للصالح تشبه الرؤيا الواقعة للأنبياء، والتي هي في حقهم جزء من أجزاء النبوة، فأطلق أنها من أجزاء النبوة على طريق التشبيه .
فحاصل أقوال العلماء أن معنى قوله – صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة» أنها تشبه النبوة من جهة الاطلاع على شيء من الغيب، لا أنها جزء من النبوة.
التوجيه الثاني: أنها جزء من أجزاء علم النبوة.
وعلم النبوة باق، والنبوة غير باقية.
وذكر هذا القول الإمامان الخطابي والبغوي رحمهما الله عن بعض العلماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أثناء مناقشته للفلاسفة الذين يرون أن النبوة مكتسبة، وتحصل عندهم لآحاد الناس، فقال: “والذي يقرون به من النبوة يحصل ما هو أعلى منه لآحاد الناس الذين فيهم فضيلة علمية وعملية، لكن أهل العلم والإيمان بالرسل يعلمون أن نسبتهم إلى الأنبياء من جنس نسبة أهل الرؤيا الصادقة إلى الأنبياء، فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وكما في السنة عنه أنه قال: «الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة» .
وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» .
فلا ريب أن الشيء يكون جزءًا من النبوة أو الإيمان، ويكون من أصغر الشعب والأجزاء، كإماطة الأذى في الإيمان، أو كالرؤيا في النبوة، ولهذا قال – صلى الله عليه وسلم -: «إنه لم يبق من النبوة بعدي إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» ولهذا كان هذا الجزء أول ما بدئ به الرسول – صلى الله عليه وسلم – تدريجًا له كما في الصحيح عن عائشة قالت: “أول ما بدئ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه – وهو التعبد – الليالي ذوات العدد”.
وإذا كان بعض أجزاء النبوة يحصل لآحاد المؤمنين وليس هو نبيًا تبين أن ما يذكره هؤلاء من الحق هو جزء من أجزاء النبوة، وما يذكرونه من الباطل هو مردود عليهم .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “والرؤيا الصالحة وإن كانت جزءًا من النبوة, فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يُسمَّى نبيًا وليس كذلك.
وقال أيضًا في قوله – صلى الله عليه وسلم -: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» ظاهر الاستثناء مع ما تقدم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة أن الرؤيا نبوة، وليس كذلك لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا، أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعًا صوته لا يسمى مؤذنًا، ولا يقال إنه أذن، وإن كانت جزءًا من الأذان، وكذا لو قرأ شيئًا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليًا وإن كانت القراءة جزءًا من الصلاة، ويؤيده حديث أم كُرْز الكعبية قالت: سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» أخرجه أحمد وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
ولأحمد عن عائشة مرفوعًا: «لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا».
ولأبي يعلى من حديث أنس رفعه: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ولا نبي ولا رسول بعدي، ولكن بقيت المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «رؤيا المسلمين جزء من أجزاء النبوة» .
فالحاصل أن الرؤيا الصالحة فيها إشعار للمؤمن بخبر سيقع ليغتنمه أو شرع سيقع ليحذره ويتجنبه ويأخذ أهميته واستعداده، فهي من هذا الوجه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، لأن فيها أخبارًا لهذا المؤمن بأمر غيبي لم يقع، وإن كان لا يمكن الجزم والقطع بهذه الرؤيا، إلا إذا وقعت، لأنه قد يخطئ الذي يعبرها وقد تكون على خلاف ما ظنه.
وفي جواب للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عندما سئل عن معنى قوله النبي – صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أجاب بقوله: معنى قوله – صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أن رؤيا المؤمن تقع صادقة, لأنها أمثال يضربها الملك للرائي، وقد تكون خبرًا عن شيء واقع، أو شيء سيقع، فيقع مطابقًا للرؤيا فتكون هذه الرؤيا كوحي النبوة في صدق مدلولها، وإن كانت تختلف عنها، ولهذا كانت جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة .

الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء

بوَّب الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح في الكتاب الأول منه كتابًا بعنوان كتاب بدء الوحي، ثم ذكر فيه ستة أبواب:
الباب الأول: باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وقول الله عز وجل ذكره {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “ومناسبة الآية للترجمة واضح من أن صفة الوحي إلى نبينا – صلى الله عليه وسلم – توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين.
ومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد حسن عن علقمة بن قيس صاحب ابن مسعود قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد في اليقظة .
ويؤيد ذلك حديث عائشة رضي الله عنها في أول ما بدئ به النبي – صلى الله عليه وسلم – من الوحي حيث كانت الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
فالرؤيا الصالحة هي أول مراتب الوحي.
وهذا الحديث في بدء الوحي خرجه أئمة الحديث أصحاب الجوامع، والسنن والمسانيد، ودلائل النبوة، والمستخرجات والمصنفات ومدونو السيرة النبوية وحفاظ أحاديثها.
وقد تعددت روايات هذا الحديث، وخلاصتها ما تضمنتها روايات إمام المحدثين الإمام البخاري رحمه الله في جامعه الصحيح؛ حيث ساق حديث بدء الوحي في ثلاثة مواضع من كتابه الجامع الصحيح.
الموضع الأول: في كتاب بدء الوحي، الحديث الثالث: أخرج بسنده عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه – وهو التعبد – الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ .. الحديث .
الموضع الثاني: في كتاب التفسير، باب {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] بلفظ: كان أول ما بدئ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الرؤيا الصادقة في النوم .. الحديث .
الموضع الثالث: في كتاب التعبير، الباب الأول منه، باب أول ما بدئ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الوحي الرؤيا الصالحة .
فالحاصل من هذه الروايات أن النبي – صلى الله عليه وسلم – بديء بالرؤيا الصادقة في أول مراتب النبوة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم بعد ذلك جاءه الوحي يقظة.
ولا شك أن مجيء الملك في غار حراء كان أول مراتب الوحي في اليقظة؛ وهو وحي الرسالة الذي به بدأ نزول القرآن، ولم يرد أن وحيًا مناميًا انفرد بنزول شيء من القرآن الكريم .
قال السيوطي في الاتقان: “إن الملك يأتيه في النوم، وهل نزل عليه فيه قرآن أم لا؟ والأشبه أنه نزل كله يقظة .
والنبي – صلى الله عليه وسلم – لما سئل: كيف يأتيك الوحي؟ في حديث الحارث بن هشام، قال – صلى الله عليه وسلم -: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» .
فلم يذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذا الحديث رؤيا المنام، وهذا تصريح منه – صلى الله عليه وسلم – بأنه لم يتلق شيئًا من القرآن عن طريق الرؤيا.
وما ذكر من أن جبريل جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – في المنام بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ .. الحديث .
نقول: إن ثبت هذا الحديث فإنه لا يعارض حديث عائشة رضي الله عنها ويمكن أن يجمع بين الحديثين إن صح الأخير بأن تقول أن النبي – صلى الله عليه وسلم – جاءه جبريل في المنام قبل اليقظة توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به؛ لأن أمر النبوة عظيم.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: “فقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار ، عن عبيد بن عمير الليثي ، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ؟ فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموت ثم أرسلني». وذكر نحو حديث عائشة سواء؛ فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرِّحًا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري، أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وإن ثبت مرسل عبيد بن عمير أنه أوحى إليه بذلك في المنام أولًا قبل اليقظة أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة عقب ما تقدم في المنام» .

احلام الأنبياء في المنام وحي من الله

لا خلاف بين العلماء في أن رؤيا الأنبياء وحي، وهي تدخل في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51].
يقول ابن القيم رحمه الله: «ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان وهذا باتفاق الأمة» .
ولهذا ذكر الله تعالى في القرآن رؤيا إبراهيم في شأن ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام وكيف أقدم على ذبح ابنه وعدَّ ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك الابن قال: يا أبت افعل ما تؤمر.
قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 102 – 105].
ووجه الاستدلال من هذه الآية أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا للأنبياء لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ابنه .
ولذلك ذكر الله عز وجل في كتابه بعض مرائي أنبيائه، فقال عن يوسف عليه السلام: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 4، 5].
وقال تعالى في نهاية القصة: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100].
وكذلك ذكر الله سبحانه في كتابه قصة رؤيا نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – في غزوة بدر؛ قال تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال: 43].
وكذلك رؤيا نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – في قصة الحديبية:
قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 27].
فقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر بذلك أصحابه وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا ستقع هذا العام، فلما صدهم المشركون عن دخول مكة عام الحديبية وصالحهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أن يرجعوا عامهم ذلك، على أن يعودوا في العام المقبل وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال للنبي – صلى الله عليه وسلم -: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام. قال: قلت: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوف به» .
وقد وقع تصديق رؤيا النبي – صلى الله عليه وسلم – في عمرة القضاء.
وكذلك جاءت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في رؤى النبي – صلى الله عليه وسلم – وأنها وحي يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرًا ونهيًا، ويجب الإيمان بها والعمل بمقتضاها، وهي كذلك من دلائل نبوته؛ إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت كما أخبر، ومن ذلك:
1 – أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة، فإذا هي المدينة، ورأيت فيها بقرا، والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا الله به بعد يوم بدر» .
2 – أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «بينما أنا نائم إذ أتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب فكبرا عليَّ وأهماني، فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأولتها الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة» .
3 – أخرج مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب من رطب ابن طاب فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب» .
4 – أخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «بُعثت بجوامع الكلم، ونصرتُ بالرعب، وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي».
وفي لفظ للبخاري: «أعطيت مفاتيح الكلم ونصرت بالرعب، وبينما أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي»، قال أبو هريرة: فذهب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وأنتم تنتقلونها» .
إلى غير ذلك من الأحاديث، والتي أكثرها متفق عليه في الصحيحين .
وكون رؤيا النبي – صلى الله عليه وسلم – وحي، وأن ذلك من دلائل نبوته – صلى الله عليه وسلم – هذا أمر مستقر في أذهان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
ولهذا تقول عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك: كنت أرجو أن يرى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رؤيا يبرئني، كما أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده .
ويقول معاذ رضي الله عنه: إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان ما رأى في يقظته أو نومه فهو حق. أخرجه أحمد في مسنده، وابن أبي عاصم في كتاب السنة بلفظ: ما رأى في نومه وفي يقظته فهو حق .
وإنما كانت رؤيا الأنبياء وحيًا لأسباب، منها:
1 – أنهم معصومون من أن يتمثل لهم الباطل في صورة الحق، ولم يجعل الله للشيطان أو الخيال عليهم سبيلا، فلذلك فرؤياهم حق.
2 – من خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن أعينهم تنام ولا تنام قلوبهم.
كما جاء في الصحيحين وموطأ الإمام مالك من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي» ، وفي لفظ للبخاري: «وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ..».
وإنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه.
ويقول الإمام البغوي – رحمه الله: “ونومه مضطجعًا حتى نفخ، وقيامه إلى الصلاة من خصائصه؛ لأن عينه كانت تنام ولا ينام قلبه؛ فيقظة قلبه تمنعه من الحدث، وإنما منع النوم قلبه ليعي الوحي إذا أوحي إليه في منامه” .
ويقول النووي – رحمه الله: قوله – صلى الله عليه وسلم -: «إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي». هذا من خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وسبق في حديث نومه – صلى الله عليه وسلم – في الوادي؛ فلم يعلم بفوات وقت الصبح حتى طلعت الشمس ، وأن طلوع الشمس متعلِّقٌ بالعين لا بالقلب .
وأما قوله – صلى الله عليه وسلم – كما في حديث عائشة رضي الله عنها: «أريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فاكشفها. فإذا هي أنت». فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه» .
فمما لا ريب فيه أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام حق، وعلى هذا اختلف العلماء في قوله – صلى الله عليه وسلم -: «إن يكن هذا من عند الله يمضه».
فذهب القسطلاني إلى أن مراده: إن تكن هذه الرؤيا على وجهها؛ بأن لا تحتاج إلى تعبير وتفسير – يمضها الله، وينجزها؛ فالشك عائد إلى أنها على ظاهرها أو تحتاج إلى تعبير .
وقال الكرماني: يحتمل أن تكون هذه الرؤيا قبل النبوة، وأن تكون بعدها وبعد العلم؛ فإن رؤياه وحي؛ فعبَّر عما علمه بلفظ الشك ومعناه اليقين إشارةً إلى
أنه لا دخل له فيه، وليس ذلك باختياره وفي قدرته .
ورؤيا الأنبياء منها ما لا يحتاج إلى تعبير كرؤيا إبراهيم عليه السلام، ومنها ما يحتاج إلى تعبير كرؤيا يوسف عليه السلام.
أما الأثر الذي فيه: «رؤيا الأنبياء وحي». فقد روي مرفوعًا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -، وروي موقوفًا على ابن عباس رضي الله عنهما، وروي مقطوعًا على عبيد الله بن عمير رضي الله عنه.
أما المرفوع: فروى ابن أبي حاتم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا الأنبياء في المنام وحي».
ذكره ابن كثير – رحمه الله – في تفسيره، ثم قال: «وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه» .
أما الموقوف على ابن عباس رضي الله عنه، فأخرج ابن جرير في تفسيره، وابن أبي عاصم في كتاب السنة، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانت رؤيا الأنبياء وحيًا .
وأورد ابن حجر في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، وعزاه إلى مسند أحمد بن حنبل موقوفًا على ابن عباس بلفظ: «رؤيا الأنبياء وحي» .
وقال عنه البوصيري في إتحاف المهرة: رواته ثقات .
أما المقطوع – ونعني به أنه من قول التابعي – فأخرج البخاري في صحيحه من طريق عبيد بن عمير قال: رؤيا الأنبياء وحي. ثم قرأ {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} .
وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد الرزاق أيضًا وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات .
وعزاه الحافظ ابن حجر في الفتح لمسلم مرفوعًا، وقد بحثت عنه في مظانه فلم أجده .

الانبياء والوحي وتفسير الاحلام

وفيه مطلبان
المطلب الأول: تعريف الوحي:
قال الجوهري في الصحاح: “الوَحْيُ: الكتابُ: والإشارةُ، والكِتَابَةُ، والرِسَّالةُ، والإِلْهامُ، والكَلامُ الخَفِيُّ، وكُلُّ ما أَلقيتَهُ إلى غَيْرِكَ، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلامَ وأوْحَيْتُ، وهو أن تكلِّمه بكلام تخفيه، وَوَحَيّتُ إليه بخبرِ كذا، أي أشرت وصَوَّتُ به رويدًا .
والوحي أيضًا: الكْتُبُ، والصَّوتُ يكون في الناس وغيرهم، وأوْحَى إليه، بَعَثَهُ وأَلَهَمَهُ .
وأَوْحى ووَحى أيضًا: كتب .
وقال ابن منظور: “قال أبو إسحاق، وأصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء ولذلك صار الإلهام يسمى وحيًا”.
وقال الأزهري: وكذلك الإشارة والإيماء يسمى وحيًا والكتابة تسمى وحيًا .
وقال الراغب الأصفهاني: أصل الوحي الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة، قيل أمر وحي وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض .
وهذه كلها إطلاقات الوحي في اللغة، أما في الشرع فإذا اطلق الوحي فإنه يخص من جهة مصدره وهو الله سبحانه وتعالى، ومن جهة الموحى إليهم وهم الأنبياء.
قال ابن منظور في كتابه لسان العرب: “والوحي: ما يوحيه الله إلى أنبيائه.
قال ابن الأنباري في قولهم: أنا مؤمن بوحي الله، قال: سمي وحيًا لأن الملك أسرَّه على الخلق وخصَّ به النبي – صلى الله عليه وسلم – المبعوث إليه.
قال الله عز وجل: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112] معناه: يسر بعضهم إلى بعض، فهذا أصل الحرف ثم قصر الوحي للإلهام، ويكون للأمر، ويكون للإشارة.
وقال الزجاج في قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 112] قال بعضهم ألهمتهم، كما قال عز وجل: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68].
وقال ابن كثير رحمه الله في قوله عز وجل:
{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام كما قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7] وهو وحي إلهام بلا خلاف وكما قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية: {إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا .
فهذا وحي من الله بمعنى الإلهام وهو وحي عام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وليس كل من أوحي إليه الوحي العام يكون نبيًا فإنه قد يوحى إلى غير الناس، قال تعالى {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}) .
قال ابن منظور: وقال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51] معناه: إلا أن يوحي إليه وحيًا فيعلمه بما يعلم البشر أنه أعلمه، إما إلهامًا أو رؤيا، وإما أن ينزل عليه كتابًا كما أنزل على موسى، أو قرآنا يتلى كما أنزله على سيدنا محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكل هذا إعلام. وإن اختلفت أسباب الإعلام فيها .
والقرآن الكريم قد استخدم إطلاقات كلمة الوحي كما وردت في اللغة، وهذا وحي عام للناس وغيرهم ، كما استعملها بالمعنى الخاص بالرسل، وهو إعلام خاص خفي من الله تعالى لرسله وأنبيائه، وهذا المعنى للوحي في الشرع أخص منه في اللغة من جهة مصدره وهو الله تعالى ومن جهة الموحى إليهم وهم الرسل .
المطلب الثاني: أقسام الوحي:
قد بين الله في كتابه ورسوله – صلى الله عليه وسلم – أقسام الوحي، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51].
ففي هذه الآية ذكر الله سبحانه أنواع التكليم العالم وهو بمعنى الوحي العام، كما ذكر ذلك عن السلف في تفسير هذه الآية.
سئل ابن شهاب رحمه الله عن هذه الآية فقال: “نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من النبيين.
فالكلام كلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي ما يوحي الله به إلى النبي من أنبيائه عليهم السلام، فيثبت الله عز وجل ما أراد من وحيه في قلب النبي, فيكلم به النبي عليه الصلاة والسلام وبينه، وهو كلام الله ووحيه.
ومنه ما يكون بين الله ورسله، لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدًا من الناس ولكنه سر غيب بين الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدثون به الناس حديثا، ويبنون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس، ويبلغوهم إياه.
ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من الملائكة فيوحون به وحيا في قلوب من يشاء من رسله .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان هذه الأقسام الثلاثة:
القسم الأول: الوحي وهو الإعلام السريع الخفي:
إما في اليقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في الصحاح.
وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه ويروى مرفوعًا: (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام) .
وكذلك في اليقظة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكون في أمتي فعمر».
وفي رواية في الصحيح «مكلمون» .
وقد قال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي}.
وقال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ}.
بل قال تعالى: {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 12] وقال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا .
ويقول الإمام البغوي رحمه الله في تفسير قول الله عز وجل {إِلَّا وَحْيًا} يوحى إليه في المنام أو بالإلهام .
ويقول ابن الجوزي رحمه الله: والمراد بالوحي ههنا: الوحي في المنام ، ولم يذكر غيره.
ووجه تفسير الآية بذلك بدليل مقابلة هذا القسم بالقسمين بعده، فلا بد أن يكون هذا الوحي في المنام أو الإلهام في اليقظة.
والآية لا شك أنها واردة في أقسام وحي الله إلى أنبيائه، أما تسمية الرؤيا الصالحة والإلهام في اليقظة اللذين يكونان لآحاد الناس، تسمية ذلك وحيا بهذا المعنى مما يشكل عند بعض الناس.
لكن قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء، ويكون يقظة ومنامًا، استنادًا للآيات والأحاديث الواردة في ذلك.
فقوله عز وجل: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} فهذا سماه الله وحيا وهو إلهام في اليقظة، لأن الحواريين ليسوا بأنبياء، ومثل ذلك يقال في وحيه لأم موسى.
واستدل رحمه الله على تسمية الرؤيا الصالحة لآحاد الناس وحيًا، بقوله – صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام» فهذا الحديث إن صح جاز تسمية الرؤيا الصالحة وحيا، وتسميتها كلامًا بالمعنى العام.
ويقول رحمه الله في تفسير المعوذتين: وإذا كان ما يوحيه الله إلى عبادة تارة يكون بواسطة ملك، وتارة بغير واسطة، فهذا للمؤمنين كلهم مطلقًا لا يختص به الأنبياء قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7].
وقال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111].
وإذا كان قد قال: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] فذكر أنه يوحي إليهم، فإلى الإنسان أولى.
وقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7، 8] فهو سبحانه يلهم الفجور والتقوى للنفس، والفجور يكون بواسطة الشيطان، وهو إلهام وسواس، والتقوى بواسطة ملك، وهو إلهام وحي، هذا أمر بالفجور، وهذا أمر بالتقوى، والأمر لا بد أن يقترن به خبر.
وهذه الآية مما تدل على أنه يفرق بين إلهام الوحي والوسوسة، فالمأمور به إن كان تقوى الله فهو إلهام الوحي، وإن كان من الفجور فهو من وسوسة الشيطان.
إلى أن قال رحمه الله: لكن ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في اليقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك، فإن الوسواس غالب على الناس، والله أعلم .
ويقول أيضا رحمه الله في كتاب النبوات:
وقوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا} [الشورى: 51] يتناول وحي الأنبياء وغيرهم كالمحدثين الملهمين كما في الصحيحين عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم».
وقال عبادة بن الصامت: رؤيا المؤمن كلام الرب عنده في منامه فهؤلاء المحدثون الملهمون المخاطبون يوحي إليهم هذا الحديث الذي هو لهم خطاب وإلهام وليسوا بأنبياء معصومين مصدقين في كل ما يقع لهم؛ فإنه قد يوسوس لهم الشيطان بأشياء لا تكون من إيحاء الرب بل من إيحاء الشيطان، وإنما يحصل الفرقان بما جاءت به الأنبياء؛ فهم الذين يفرقون بين وحي الرحمن ووحي الشيطان .
وبذلك يرد على من يمنع تسمية الإلهام “التحديث” والرؤيا الصالحة وحيًا وإلهامًا إلهيًا، وحجة هؤلاء هو الرد على المبتدعة من مدعي النبوة وغيرهم من المتصوفة .
ويقال لهم:
أولاً: إن الأدلة من الكتاب والسنة دلت على تسمية الإلهام والرؤيا الصالحة وحيًا كما أوحى الله إلى الحواريين وإلى مريم.
ثانيًا: أن القول بأن هذه الأمور إلهام إلهي هذا لا يعني أنها مصادر التشريع والتلقي.
ثالثًا: ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في اليقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك؛ لأن الوسواس غالب على الناس.
القسم الثاني: التكليم من وراء حجاب:
كما كلَّم الله موسى عليه السلام، ولهذا سمى الله هذا نداء فقال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52].
وقال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه: 11 – 13].
وهذا التكليم مختص ببعض الرسل كما قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ} [البقرة: 253].
وقال تعالى بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]؛ فهذا تكليم خاص من وراء حجاب بلا واسطة.
القسم الثالث: التكليم بواسطة الرسول – صلى الله عليه وسلم -:
ودل على ذلك قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}، فهذا إيحاء الرسول الذي هو جبريل، وهذا غير الوحي الأول من الله الذي هو أحد أقسام التكليم العام.
وهذا القسم من أقسام الوحي أنواع كثيرة:
1 – أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس، وكان هذا النوع أشد الأنواع على الرسول – صلى الله عليه وسلم – فيتلبس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها.
كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل النبي – صلى الله عليه وسلم -: كيف يأتيك الوحي؟ قال: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيعلمني فأعي ما يقول» .
2 – أن يتمثل له الملك رجلاً يكلمه، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا، كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «يا عمر أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» وكما تمثلت الملائكة لإبراهيم ولوط في صورة الآدميين، كما أخبر الله بذلك في غير موضع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وقد سمى الله كلا النوعين إلقاء الملك وخطابه وحيًا؛ لما في ذلك من الخفاء، فإنه إذا رآه يحتاج أن يعلم أنه ملك، وإذا جاء في مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في الصوت .
3 – أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما يشاء الله أن يوحيه، وهذا وقع لنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – مرتين.
كما قال تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم: 13، 14].
وأخرج مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لم أره – يعني جبريل – على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، ورأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض» .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه على صورته التي خلق عليها، والثانية عند المعراج .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد» .
ومما ينبغي التنبيه عليه دفعًا لما قد يشكل في إطلاق لفظ الوحي ولفظ التكليم في مواضع من كتاب الله تعالى ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله بقوله: “وقد دل كتاب الله على أن اسم الوحي والكلام في كتاب الله فيها عموم وخصوص، فإذا كان أحدهما عاما اندرج فيه الآخر، كما اندرج الوحي في التكليم العام في هذه الآية؛ يعني قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51].
واندرج التكليم في الوحي العام؛ حيث قال تعالى: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه: 13].
وأما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحي الخاص الخفي الذي يشترك فيه الأنبياء وغيرهم.
كما أن الوحي المشترك الخاص لا يدخل فيه التكليم الخاص الكامل؛ كما قال تعالى لزكريا: {ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا}.
ثم قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [مريم: 10، 11]؛ فالإيحاء ليس بتكليم ولا يناقض الكلام.
وقوله تعالى في الآية الأخرى: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران: 41]: إن جعل معنى الاستثناء منقطعًا اتفق معنى التكليم في الآيتين، وإن جعل متصلاً كان التكليم مثل التكليم في سورة الشورى، وهو التكليم العام .

رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان

أخرج الإمام أحمد في مسنده، والبخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب» وهذا لفظ البخاري.
ولفظ أحمد، ومسلم «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب».
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب …» ورواه من طريق عبد الرزاق الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وساق مسلم إسناده .
birds tafsir ahlam
فما معنى اقتراب الزمان الذي لا تكاد تكذب فيه رؤيا المؤمن؟ وأي زمان هو؟ وما معنى لا تكاد تكذب؟ وما الحكمة في تخصيص آخر الزمان بذلك؟
أولا: معنى اقتراب الزمان:
لأهل العلم: رحمهم الله في معنى الزمان ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن معنى اقتراب الزمان، أي اعتداله واستواء الليل والنهار، وذلك في فصلي الربيع والخريف.
قال أبو داود رحمه الله: (إذا اقترب الزمان يعني إذا اقترب الليل والنهار يعني يستويان) .
ويقول الخطابي رحمه الله: (والمعبرون يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان وقت الربيع ووقت اعتدال الليل والنهار) .
وهذا القول لا يصح لوجوه عدة منها:
1 – أن اعتدال الليل والنهار ليس له أثر ولا تعلق بصدق الرؤيا إلا على ما قالته الفلاسفة من أن اعتدال الزمان تعتدل به الأخلاط، وهذا مبني على تعليقها بالطبائع وهذا باطل.
2 – أن هذا القول يبعد تقييده بالمؤمن، فإن الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع على زعمهم لا يختص بالمؤمن، قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله
3 – أن الاقتراب يقتضي التفاوت، والاعتدال يقتضي عدمه، فكيف يفسر الأول بالثاني، قاله القسطلاني رحمه الله .
4 – أن هذا القول باطل مردود بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «في آخر الزمان» وذلك قرب زمان الساعة ودنو وقتها.
يقول ابن العربي رحمه الله في رده لهذا القول: (وقد اغتر بعض الناس بهذا التأويل فقال به، والأصح أنه اقتراب يوم القيامة، فإنها الحاقة التي تحق فيها الحقائق فكلما قرب منها فهو أخص بها)
القول الثاني: قال المنذري رحمه الله: يحتمل أن يراد اقتراب الموت عند علو السن، فإن الإنسان في ذلك الوقت غالبًا يميل إلى الخير والعمل به، ويقل تحديثه نفسه بغير ذلك .
وهذا القول أيضًا فيه تكلف وبعد في فهم الحديث ويرده قوله – صلى الله عليه وسلم – في بعض روايات الحديث: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب».
القول الثالث: أن المراد قرب زمان الساعة ودنو وقتها.
وهذا القول هو الصحيح، إن شاء الله تعالى وقد جاءت النصوص بذلك فمنها:
1 – ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب …» ورواه من طريق عبد الرزاق الإمام أحمد، والترمذي والحاكم وساق إسناده مسلم .
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم «في آخر الزمان» صريح يفسر قوله – صلى الله عليه وسلم -: «إذا اقترب الزمان» في أن المراد بذلك اقتراب زمن الساعة.
2 – أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى – ثم ذكر بعض علامات الساعة ثم قال- ويتقارب الزمان» والمراد به اقتراب الساعة قطعًا.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق الشَّعَفَة» .
وللعلماء رحمهم الله: أقوال في المراد بقرب زمان الساعة، منها:
1 – أن المراد بذلك قلة البركة في الزمان .
كما يقول ابن حجر رحمه الله: وقد وجد في زماننا هذا، فإننا نجد من سرعة مر الأيام، ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا
2 – أن المراد بذلك تقارب أهل الزمان بسب توافر وسائل الاتصالات والمراكب الأرضية والجوية السريعة التي قربت البعيد .
3 – أن المراد بذلك هو قصر الزمان، وسرعته سرعة حقيقية وذلك في آخر الزمان كزمن الدجال.
4 – أن المراد بذلك استلذاذ الناس للعيش وتوافر الأمن، وغلبة العدل، وذلك أن الناس يستقصرون أيام الرخاء وإن طالت، وتطول مدة الشدة وإن قَصُرت كزمن المهدي وعيسى عليه السلام .
5 – أن المراد تقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون منهم من يأمر بمعروف وينهى عن منكر، لغلبة الفسق، وظهور أهله، وذلك عند ترك طلب العلم خاصة، والرضا بالجهل، وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم، فدرجات العلم تتفاوت كما قال تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76].
قال ابن أبي جمرة رحمه الله: (يحتمل أن يكون المراد بـ”تقارب الزمان” قصرَه على ما وقع في الحديث «لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر» وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيًا، ويحتمل أن يكون معنويًا.
أما الحسي: فلم يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة وأما المعنوي؛ فله مدة منذ ظهر، يعرف ذلك أهل العلم الديني، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي، فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العلم قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك، ولا يدرون العلة منه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان، لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأوقات، ففيها من الحرام المحض، ومن الشبه ما لا يخفى، حتى أن كثيرًا من الناس لا يتوقف في شيء، ومهما قدر على تحصيل شيء هجم عليه ولا يبالي.
والواقع أن البركة في الزمان، وفي الرزق، وفي البيت إنما تكون من طريق قوة الإيمان، واتباع الأمر، واجتناب النهي، والشاهد لذلك قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96].اهـ.
وإذا عرفنا أن المراد بتقارب الزمان في الحديث هو قرب زمان الساعة، فإن العلماء أيضًا اختلفوا في تحديد هذا الزمان على أقوال.
القول الأول: أن ذلك يقع إذا اقترب الساعة، وقبض أكثر العلم ودرست معالم الشريعة، بسبب الفتن وكثرة القتل، وأصبح الناس على مثل الفترة فهم محتاجون إلى مجدد ومذكر لما درس من الدين، كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا – صلى الله عليه وسلم – آخر الأنبياء، وتعذرت النبوة في هذه الأمة، فإنهم يعرضون عند ذلك بالرؤيا الصادقة، التي هي جزء من أجزاء النبوة الآتية بالتبشير والإنذار.
ويؤيد هذا القول حديث أبي هريرة: «يتقارب الزمان ويقبض العلم» .
قاله ابن بطال، وإليه مال الحافظ ابن حجر رحمه الله.
القول الثاني: أن ذلك يقع عند قلة عدة المؤمنين، وغلبة الكفر والجهل والفسق على الموجودين فيؤنس المؤمن ويعان بالرؤيا الصادقة إكرامًا له وتسلية.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، وعلى هذين القولين لا يختص ذلك بزمان معين بل كلما قرب فراغ الدنيا وأخذ أمر الدين في الاضمحلال تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق .
القول الثالث: قيل إن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه .
القول الرابع: أن ذلك مختص بزمان عيسى عليه السلام.
قال القرطبي في “المفهم” والمراد والله أعلم بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث زمان الطائفة الباقية مع عيسى عليه السلام بعد قتله الدجال، فقد ذكر مسلم في حديث عبد الله بن عمر ما نصه «فيبعث الله عيسى بن مريم فيمكث في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضه» الحديث .
قال: (فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالاً بعد الصدر الأول وأصدقهم أقوالاً فكانت رؤياهم لا تكذب) .
ولعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عنى الجميع والله أعلم .
والحاصل في ذلك أن كثرة صدق رؤيا المؤمن من علامات الساعة.
ثانيًا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: «لم تكد تكذب» وفي لفظ «لا تكاد تكذب» كاد أي: قرب.
وفيه إشارة إلى غلبة الصدق على الرؤيا، وإن أمكن أن شيئًا منها لا يصدق، والراجح أن المراد نفي الكذب عنها أصلاً؛ لأن حرف النفي الداخل على كاد ينفي قرب حصوله والنافي لقرب حصول الشيء أدل على نفيه نفسه .
ويدل على ذلك قوله تعالى: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40].
ويوضح ذلك ابن أبي جمرة رحمه الله بأن عدم كذبها أنها تقع بينة واضحة لا تحتاج إلى تعبير فلا إشكال لأحد فيها ولا كذب، فيصدق عليها أنها لا كذب بخلاف ما قبلها فقد تحتاج إلى تعبير، وقد يخطئ المعبر في فهمها فيصدق لغة أن يقال كذبت رؤيا فلان وإن كانت في نفسها حقًا.
ثالثًا: ما الحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان؟
يقول ابن أبي جمرة رحمه الله، (والحكمة في تخصيص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا كما في الحديث «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا» فيقل أنيس المؤمن ومعينه في ذلك الوقت فيكرم بالرؤيا الصادقة) .
وقال القرطبي رحمه الله: (فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالاً بعد الصدر الأول وأصدقهم أقوالاً فكانت رؤياهم لا تكذب)
وقيل إن الناس في ذلك الزمان على مثل الفترة محتاجين إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا خاتم الأنبياء وصار الزمان المذكور يشبه زمان الفترة عوضوا بما منعوا من النبوة بعده بالرؤيا الصالحة التي هي جزء من النبوة الآتية بالتبشير والإنذار .
ويقول ابن القيم رحمه الله: وهي – أي الرؤيا – عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطئ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها فيتعوض المؤمنون بالرؤيا.
وأما في زمن قوة نور النبوة، ففي ظهور نورها وقوته ما يغني عن الرؤيا، ونظر هذه الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة، ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم، واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم وقد نص أحمد على هذا المعنى .

تفسير الاحلام وأقسام الناس في الرؤى

إذا علمنا أن الرؤى تنقسم إلى ثلاثة أقسام كما دلت على ذلك الأحاديث؛ رؤيا من الله، وحديث نفس، وأحلام من الشيطان، ولكل قسم من هذه الأقسام علامات يعرف بها.
وجاء تقسيمها في بعض الأحاديث إلى قسمين رؤيا من الله، وأحلام من الشيطان ولكل قسم آدابه وأحكامه، إذا علمنا ذلك فإن الرائين لهذه الرؤى ينقسمون كذلك إلى ثلاثة أقسام بحسب صدق رؤياهم وكذبها وصلاحها وفسادها، وكل قسم من الأقسام درجات متفاوتة، وإليك بيان ذلك مع الدليل والتمثيل بتوفيق الله.
القسم الأول: الأنبياء:
تفسير الاحلام وأقسام الناس في الرؤى
ورؤياهم كلها صدق وحق، فرؤيا الأنبياء وحي وهي من دلائل نبوتهم، وذلك لعدم تمكن الشيطان منهم يقظة ومنامًا، فالأنبياء لا يقولون من الكلام إلا الصدق ولذلك لا يرون إلا الحق، فجميع رؤى الأنبياء حق لا استثناء.
ولذلك ورد عن جماعة من أنبياء الله ورسله في القرآن الكريم مراءٍ رأوها وكانت حقًا لا شك فيها، ولعل من أشهرها رؤيا يوسف عليه السلام.
قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4].
قال في ختام السورة: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100].
وكذلك رؤيا إبراهيم عليه السلام، قال تعالى حكاية عن إبراهيم: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 102 – 105].
وكذلك رؤيا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قال تبارك وتعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال: 43].
وقوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} [الفتح: 27].
وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم رؤى كثيرة جدًا كما في الصحيحين وغيرهما وكلها من دلائل نبوته، tafsir al ahlam رؤية الغرفة فى المنام ابن سيرين وإخباره بالمستقبل فوقع كما رأى وأخبر، وسيأتي إن شاء الله تفصيل أكثر لرؤيا الأنبياء وما يتعلق بها من أحكام.
القسم الثاني: الصالحون:
والأغلب على رؤياهم الصدق، وإنما كان الأغلب على رؤياهم الصدق للأسباب التالية.
1 – قلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف غيرهم فإن الشيطان متسلط عليهم،قال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 39 – 42].
وقال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 98 – 100].
ولهذا يحرص المسلم الصالح على تحصين نفسه من الشيطان بقراءة القرآن الكريم وخاصة آية الكرسي، وأواخر سورة البقرة، والمعوذات وكثرة ذكر الله، فلا يكون للشيطان عليه سبيل.
2 – صدق حديثهم في اليقظة، فإذا كان الرجل صدوق الحديث في يقظته، وعنده إيمان، وتقوى، فإن الغالب أن رؤياه تكون صادقة، ولهذا يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: وإنما كان كذلك من كان غالب حاله وقوي إدراكه فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في اليقظة استصحب ذلك في نومه, فلا يرى إلا صدقًا، وهذا بخلاف الكاذب، والمخلط، فإنه يفسد قلبه ويظلم فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا.
وقد يندر أحيانًا فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم والله أعلم .
ولهذا والله أعلم قيدت الرؤيا الصالحة يكونها من الرجل الصالح كما جاء في بعض الروايات, لأن المسلم الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء ولذلك أكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء وهو الاطلاع على شيء من علم الغيب كما نسبت رؤياه إلى أجزاء النبوة.
ولذلك من فقه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه ذكر الباب الأول في كتاب التعبير بعنوان “أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة”، ثم عقب بالباب الثاني بعنوان “رؤيا الصالحين” وأخرج بسنده من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» .
ورؤيا الصالحين مع أن الغالب عليها الصدق لا يقطع بصحتها إلا بعد ظهورها ووقوعها بخلاف رؤيا الأنبياء, فإنه مقطوع بصحتها.
والصالحون درجات متفاوته فمنهم من بلغ الذروة في الصلاح ومنهم من هو دون ذلك، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» فدل على أنهم متفاوتون في صدق الرؤيا.
وقد سبق لنا بحمد الله بيان الأشياء التي يتحرى بها المسلم صدق الرؤيا.
وإليك بعض أمثلة رؤيا الصالحين وهي كثيرة في الصحاح والسنن وغيرها، ومن ذلك:
رؤيا عبد الله بن سلام رضي الله عنه في الأخذ بالعروة والاستمساك بها:
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث قيس بن عبادة قال: “كنت جالسًا في مسجد المدينة في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج وتبعته فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل منن أهل الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة – ذكر من سعتها وخضرتها – وسطُها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارقَهْ، قلت لا استطيع، فأتاني مُنْصَف فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت في العروة، فقيل له استمسك فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصها على النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: «تلك الروضة الإسلام، وذلك العموم عمود الإسلام، وتلك العروة الوثقى، فأنت على الإٍسلام حتى تموت، وذلك الرجل عبد الله بن سلام» .
وفي رواية للبخاري ومسلم عن قيس بن عباد قال: «كنت في حلقة فيها سعد بن مالك، وابن عمر فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، ثم ذكر الحديث ثم قال في آخره فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – «يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى» .
ورواه مسلم عنه بلفظ مطول، فراجعه إن شئت.
رؤيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر أبا بكرة، ثم قال: (إني رأيت رؤيا لا أراها إلا حضور أجلي، رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات وإني لأراه إلا حضور أجلي” .
وسبق ذكر أمثلة كثيرة لرؤى الصحابة رضي الله عنهم.
القسم الثالث: من عدا الأنبياء والصالحين:
وهذا القسم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، لكن الغالب عليها الأضغاث وذلك لتسلط الشياطين عليهم، وقلة الصدق عندهم.
يقول القاضي عياض رحمه الله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» كان ذلك, لأن غير الصادق يعتري الخلل رؤياه من وجهين:
أحدهما: أن تحديثه نفسه يجري في نومه على جري عادته من الكذب فتكون رؤياه كذلك.
والثاني: قد يحكي رؤياه ويسامح في زيادة، أو نقص أو تحقير عظيم، أو تعظيم حقير فتكذب رؤياه .
وذكر ابن حجر رحمه الله عن المهلب رحمه الله في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح» قال: “المراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم فإن الصدق فيهم نادر لغلبة تسلط الشياطين عليهم.
قال: فالناس على ثلاث درجات: الأنبياء، ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهي ثلاثة أقسام: “مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث، ويقل الصدق فيها، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدًا .
وقد تقع الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كرؤيا صاحبي السجن في قصة يوسف عليه السلام ورؤيا الملك سبع بقرات.
ولذلك ترجم الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب التعبير “باب رؤيا أهل السجود والفساد والشرك” .
لقوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} إلى قوله: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} [يوسف: 36 – 50].
وفي هذه إشارة إلى أن الرؤيا الصادقة وإن اختصت غالبًا بأهل الصلاح لكن قد تقع لغيرهم.
يقول سماحة الشيخ عبد الله بن باز، رحمه الله في تعليق على ترجمة البخاري السابقة: “يريد المؤلف رحمه الله أن الرؤيا قد تقع من كافر أو فاسق وقد تصدق.
ولهذا قال البخاري رحمه الله بعد ترجمة هذا الباب لقوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} كأنه يحتج بالآيات على اعتبار الرؤيا الصادقة في حق أهل السجن والفساد والشرك، وهو أيضًا يوضح حكم الترجمة فإنه لم يتعرض فيها إلى بيان الحكم
ويقول القرطبي رحمه الله: “في هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تخرج على حسب ما رأى لا سيما إذا تعلق بمؤمن، فكيف إذا كانت آية لنبي، ومعجزة لرسول، وتصديقًا لمصطفى للتبليغ، وحجة للواسطة بين الله جل جلاله وبين عباده .
وهؤلاء وإن صدقت رؤياهم, فلا تعد من أجزاء النبوة، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.

أسباب صدق الرؤيا الصالحة

دلت النصوص الشرعية على أسباب يستطيع المسلم بها أن يتحرى الرؤيا الصالحة فمن ذلك: تحقيق ولاية الله سبحانه، وتحري الصدق في الحديث، والتحرز من الشيطان.
قال ابن عبد البر رحمه الله: (فمن خلصت له نيته في عيادة الله، ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب) .
وقال ابن القيم رحمه الله: (ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحرَّ الصدق، وأكل الحلال، والمحافظة على الأمر والنهي، ولينم على طهارة كاملة، مستقبل القبلة، ويذكر الله حتى تغلبه عيناه، فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة»
ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله في أسباب اختلاف الروايات في أجزاء النبوة التي نست لها الرؤيا الصالحة، أن هذا الاختلاف بحسب حال الرائي من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدين المتين، وحسن اليقين، فمن كان على هذه الحال فرؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب .
وإليك تفصيل هذه الأسباب.
السبب الأول: تحقيق ولاية الله تعالى:
ويدل على ذلك قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62 – 64].
والبشرى في الحياة الدنيا جاء تفسيرها في الأحاديث الصحيحة بأنها الرؤيا الصالحة كما مر معنا في حديث أبي الدرداء وأبي هريرة وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو وتفسير ابن عباس ومجاهد ويحيي بن أبي كثير وغيرهم.
وقد فسر ابن عبد البر رحمه الله الآية بذلك ثم قال: (وهو أولى اعتقده العالم في تأويل قوله عز وجل {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}) .
فأولياء الله لهم البشرى التي هي الرؤيا الصالحة، وأولياء الله هم كما بينهم الله عز وجل في هذه الآية {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.
ومعنى الآية: أن العبد الذي آمن بالله عز وجل أي صدق به وبما جاء عنه سبحانه في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والتزم بشرعه ظاهرًا وباطنًا ثم داوم على ذلك بمراقبة الله سبحانه وملازمة التقوى والحذر من الوقوع فيما يسخطه عليه من تقصير في واجب أو ارتكاب لمحرم، هذا العبد هو ولي الله سبحانه وتعالى يحبه وينصره ويبشره برضوانه وجنته.
وعند فراقه للدنيا يرتفع عنه الخوف والحزن لما يكشف له من رحمة الله وبشارته .
وهذا المعنى يؤكده الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ربه كما أخرج ذلك البخاري رحمه الله: «إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه … » الحديث .
فالحديث تضممن المعاني التي في الآية الكريمة.
جانب العبد: وهو أداء الفرائض ثم التقرب بالنوافل.
وجانب الرب عز وجل: وهو محبته لذلك العبد، ونصرته وتأييده، ورعايته له في كل موقف وحفظه لجوارحه فيصبح عبدًا محفوظًا في جميع جوارحه.
وهذا معنى قوله – صلى الله عليه وسلم – لابن عباس رضي الله عنهما: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»
فالعبد الذي يحفظ الله عز وجل يحفظ حقوقه والقيام بأوامره واجتناب نواهيه واستمرار التدرج في عبوديته لخالقه، فإن الله سبحانه يحفظه في جوارحه ويوفقه.
ثم إن سأله شيئًا أعطاه عطاء الغني الكريم لعبده الضعيف المحتاج.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعريف الولي: (هو من كان بالصفة التي وصفة الله بها وهو الذي آمن واتقى) .
ويقول ابن كثير رحمه الله: (يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما فسرهم ربهم فكل من كان تقيًا كان وليًا لله تعالى).
ويقول ابن رجب رحمه الله: (فأولياء الله هم الذين يتقربون إليه بما يقربهم منه، وأعداؤه الذين أبعدهم منه بأعمالهم المقتضية لطردهم وإبعادهم، فقسم أولياءه إلى قسمين:
أحدهما: من تقرب إليه بأداء الفرائض، ويشمل ذلك فعل الواجبات وترك المحرمات, لأن ذلك كله من فرائض الله التي افترضها على عباده.
والثاني: من تقرب إلى الله بعد الفرائض بالنوافل.
فظهر بذلك إلى أن دعوى طريقة توصل إلى الله تعالى، أو موالاته ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ممن ادعى ولاية الله ومحبته بغير هذا الطريق تبين أنه كاذب في دعواه
ويقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: (فولي الله: هو من والى الله بموافقة محبوباته، والتقرب إليه بمرضاته) .
فتبين من كلام هؤلاء العلماء أن الولي لا يصل إلى ولاية الله إلا بالإيمان والتقوى.
ثم ليعلم أنه ليس كل من حصل له رؤيا صالحة يجب أن يكون من أولياء الله فليس حصول الرؤيا الصالحة دليلا على ولاية الله، بل إن الشخص قد يكون وليًا لله وإن لم يحصل له شيء من ذلك إذا كان مؤمنًا تقيًا، وعدم ذلك لا يضره في دينه ولا ينقص ذلك في مرتبته عند الله .
فلا يكن مقصود المؤمن التقي، من إيمانه وتقواه تحصيل هذه الأمور, فإن ذلك من دقائق الشرك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب، وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطلب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضًا، لأن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته والأول يراد لكونه وسيلة إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالمًا أو عارفًا أو ذا حكمة أو متشرفًا بالنسبة إليه، أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى) .
السبب الثاني: أن يحرص أن يكون صادقًا في حديثه:
وهذا السبب من الأسباب التي يتحرى بها المسلم الرؤيا الصادقة، وهو وإن كان داخلاً في السبب الأول، لكنه خص لأهميته، والخصوص بعد العموم يدل على أهمية الشيء، فقد جاء الحديث ببيان أن أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.
كما أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا».
وهذا الحديث على إطلاقه، وأن أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا وهذا في كل زمان ومكان، وذلك لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته إياها .
فكلما كان الإنسان حريصًا على تحري الصدق والبعد عن الكذب أو المبالغة أو التهويل فيما يقول، كان ذلك أدعى أن يرى الصدق في منامه.
وكلما كان الإنسان متوسعًا في الكذب في الروايات والأخبار وربما مختلق للأكاذيب, فإنه يكون أبعد الناس عن الصدق في رؤياه.
السبب الثالث: أن يحرز نفسه من الشيطان عند النوم:
ومن ذلك أن يراعي آداب النوم التي جاءت في السنة النبوية، وخاصة الآيات والأذكار التي تكون حرزًا له من الشيطان فمن ذلك:
1 – أن ينام على طهارة كما أخرج البخاري في صحيحه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن متت مت على الفطرة، فاجعلهن آخر ما تقول» فقلت استذكرهن، وبرسولك الذي أرسلت قال: «لا, وبنبيك الذي أرسلت» .
فتضمن هذا الحديث ثلاث سنن:
إحداها: الوضوء عند النوم، وإن كان متوضئًا كفاه لأن المقصود النوم على طهارة.
ثانيتها: النوم على اليمين.
ثالثتها: الختم بذكر الله.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وأخرج ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر رفعه: «من بات طاهرًا بات في شعاره ملك فلا يستيقظ إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك فلان» وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس نحوه بسنده جيد .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فوائد هذا الحديث ومنها أن يكون أصدق رؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به.
2 – التعوذ والقراءة عند النوم، وقد ورد في القراءة عند النوم عدة أحاديث صحيحة منها:
(أ) قراءة آية الكرسي: كما أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو في الطعام، فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقص الحديث فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] حتى تختم الآية، فإنك لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله؟ قال: «ما هي» قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص الناس على الخير فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟» قال: لا: قال: «ذاك شيطان» .
ففي هذا الحديث بيان أن من قرأ آية الكرسي لا يقربنه شيطان حتى يصبح، وبهذا يسلم من تحزين الشيطان وتهويله له في المنام.
(ب) قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة: أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» .
قوله: “كفتاه” قيل: كفتاه من كل سوء، وقيل: شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شر الإنس والجن، ويحتمل الجمع والله أعلم .
(ج) قراءة المعوذات: أخرج البخاري رحمه الله من حديث عائشة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ بالمعوذات، ومسح بهما جسده .
وورد في التعوذ أيضًا عدة أحاديث منها:
(أ) ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله, ما لقيت من عقرب لدغتْني البارحة فقال صلى الله عليه وآله وسلم «أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لم تضرك» .
(ب) ما أخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: «اللهم رب السموات ورب الأرض» الحديث، وفي لفظ: «اللهم رب السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان الرجيم وشركه» .
(ج) أخرج أبو داود من حديث علي يرفعه، كان يقول عند مضجعه:
«اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامات من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته».

هل ينفع العمل وفق الرؤيا الصالحة؟

الرؤيا الصالحة لا تخلو من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن تكون من الأنبياء:
وهذا القسم من أقسام الوحي يجب الإيمان بها والعمل بما دلت عليه، لأن رؤيا الأنبياء وحي باتفاق الأمة، ولهذا ذكر الله تعالى في القرآن الكريم رؤيا إبراهيم في شأن ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام وكيف أقدم على ذبح ابنه واعتبر ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك قال الابن (يا أبت افعل ما تؤمر) قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 102 – 105] فلو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ابنه، وسيأتي إن شاء الله مزيد تفصيل لهذه المسألة .
وكذلك يقال في الرؤى التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بها أمرًا أو نهيًا .
القسم الثاني: رؤيا الصحابة التي أقرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
وهذه كذلك مصدر من مصادر التشريع, تفسير الاحلام حرف ذ الذال لأنها نوع من أنواع السنة وهي إقرارات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بذلك أمرًا ونهيًا وأمثلة ذلك كثيرة جدًا، فمن ذلك: رؤيا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين للأذان ، وإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك.
أخرج الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه من حديث طفيل بن سَخْبرة أخي عائشة لأمها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال من أنتم؟ فقالوا: نحن اليهود: قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرًا ابن الله، فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى، فقال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله،، قالوا: وإنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فأخبره فقال: «هل أخبرت أحدًا؟» قال: نعم، فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن طفيلاً رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، قال: لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده» .
وله شاهد من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: «أتى رجل النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: إن رأيت في المنام أني لقيت بعض أهل الكتاب، فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد فقال – صلى الله عليه وسلم -: «قد كنت أكرهها منكم فقولوا: ما شاء الله ثم ما شاء محمد» .
فهذه الرؤيا حق أقرها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعمل بمقتضاها.
ولهذا لما بوَّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب: “التوحيد الذي هو حق الله على العبيد” بابًا في قول: (ما شاء الله وشئت) استشهد بحديث الطفيل السابق ثم ذكر من مسائل هذا الباب أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي
tafsir al ahlam هل ينفع العمل وفق الرؤيا الصالحة؟
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في كتابه: “تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد” في شرح هذا الحديث “كان صلى الله عليه وآله وسلم يعتني بالرؤيا لأنها من أقسام الوحي، وكان إذا صلى الصبح كثيرًا ما يقول: «هل رأى أحد منكم رؤيا» قال: (وفيه أن الرؤيا قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام كما في هذا الحديث، وحديث الأذان، وحديث الذكر بعد الصلوات) .
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب: “فتح المجيد شرح كتاب التوحيد” في شرح هذا الحديث: “قلت: وإن كانت رؤيا منام فهي وحي، يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرًا ونهيًا، والله أعلم.
والأمثلة على ذلك لا تحصى:
القسم الثالث: رؤيا الصالحين بعد موت النبي – صلى الله عليه وسلم -:
وهذه هي مدار البحث هنا: فهل يعتمد عليها في إثبات الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وهل يعتمد بها دليلا مستقبلاً من أدلة الشرع في الإثبات والنفي؟ وفي أي مجال يكون اعتبارها والاعتداد به؟ .
والحق في ذلك ما اتفق عليه أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، ولا تتخذ دليلاً شرعيًا، وإنما هي تبشير وتحذير وتنبيه، ولهذا سماها الرسول – صلى الله عليه وسلم -: «المبشرات».
ولكنها قد تعتبر وتصلح للاستئناس فقط إذا وافقت حجة شرعية صحيحة.
يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله: ( … اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسنة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك فاستبشر ابن عباس رضي الله عنهما.
وحديث ابن عباس أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة؟ فأمرني بها وسألته عن الهدي؟ فقال: فها جزور أو بقرة أو شاة، أو شرك في دم قال: وكأن ناسًا كرهوها، فنمت، فرأيت في المنام وكأن إنسانًا ينادي حج مبرور ومتعة منقلبة، فأتيت ابن عباس رضي الله عنهما فحدثته فقال: الله أكبر, سنة أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم.
قال ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: (ويؤخذ منه الاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم).
فمجرد الاستبشار بالرؤيا الصالحة، لا يضر، لأن العمدة في الموضوع إنما هو الاستدلال الشرعي، ولهذا يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها, فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها» .
وفي حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب» فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاستبشار بالرؤيا الحسنة.
يقول ابن القيم رحمه الله: (ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بالرؤيا).
وأما رؤيا غيرهم: فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لا يعمل بها، فإن قيل: فما تقولون إذا كانت الرؤيا صادقة، أو تواطأت؟
قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه، لم يعرف الرائي اندراجها فيه فينتبه بالرؤيا على ذلك.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق) .
ويقول الشاطبي رحمه الله في كتابه الاعتصام: (الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال، إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، أما استفادة الأحكام فلا).
ويقول رحمه الله أيضًا: (نعم يأتي المرئى تأنيسًا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلاً، وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم.
وما يحكى عن بعض العلماء من الخلاف في حجة رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما ذلك فيما إذا وافقت حكمًا شرعيًا فالعبرة في هذه الحالة بالحكم الشرعي لا بها، ولهذا قال الشوكاني رحمه الله في رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا – صلى الله عليه وسلم – قد كمله الله عز وجل وقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]) .
وقال ابن بدران رحمه الله: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، وهذا القول هو والعدم سواء، لأن العمل يكون بما ثبت من الشرع لا به، ثم لا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا، قد كمله الله لنا … ) .
وسوف يأتي إن شاء الله، مزيد بيان وتوضيح وتفصيل لهذه المسألة عند مناقشة من يجعلون الرؤيا حجة يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة أو الإجماع والقياس من مبتدعة الصوفية الذين استندوا في أخذ الأعمال بالمنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها وتأتي إن شاء الأسباب التي تجعل الرؤيا ليست دليلاً شرعيًا يحتج بها على جواز فعل أو ترك، أو منع أو استحباب، وأقوال أهل العلم في ذلك، وإنما المقصود هنا، بيان أن الرؤيا الصالحة مجرد مبشرات يستأنس بها كما دلت على ذلك النصوص، وفعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومن بعدهم من العلماء.
وعلى ذلك يحمل ما ورد عن أهل العلم من الاستشهاد بالرؤيا الصالحة في بيان فضل العلماء ومكانتهم وما يقال في أهل البدع .

صفات الرؤيا الصالحة

وصفت الرؤيا الصالحة بصفات عديدة، تدل على أهميتها وعظم شأنها، فمن تلك الصفات.
أنها من الله:
كما أخرج الإمام مالك في “الموطأ” والإمام أحمد في مسنده، والبخاري ومسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وآله وسلم: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان …» الحديث.
وفي بعض ألفاظها: «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان».
وفي بعض ألفاظها: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان» .
وكما سيأتي إن شاء الله، في بقية الأوصاف من إضافتها إلى الله عز وجل.
يقول ابن أبي جمرة رحمه الله: (قوله عليه الصلاة والسلام «من الله» أي: هي حق لا شك فيها، لأن كل ما هو من عند الله لا شك في أنه حق ولذلك قال: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
وإضافتها إلى الله إضافة تشريف، كما هو جار على أدب العبودية من إضافة الخير إلى الله وإضافة الشر إلى غيره كما سبق تفصيله في الفرق بين الرؤيا والحلم.
الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة:
كما دل على ذلك حديث عوف بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الرؤيا ثلاث، منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» .
وما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» .
وغيرهما من الأحاديث التي سيأتي إن شاء الله تفصيلها وبيان معنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة وما يتعلق بذلك من مسائل في الفصل الثالث من هذا الباب.
وصفها بأنها رؤيا حق:
ورؤيا الحق: هي التي لا بد من وقوعها وصدقها، فهي ليست من قبيل أضغاث الأحلام .

كما أخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، فمن رأى ما يكره فليقم فليصل» .
ومن ذلك قوله عز وجل: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} [الفتح: 27].
وصفها بأنها بشرى من الله:
كما أخرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله عز وجل، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصل» .
وجاءت الأحاديث الكثيرة بوصف الرؤيا الصالحة بأنها من مبشرات النبوة كحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» .
وجاءت الأحاديث الكثيرة في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 64] بأن المراد بالبشرى هنا الرؤيا الصالحة، ولذلك سوف أتحدث عن هذا الوصف في علامات الرؤيا الصالحة بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى.
أنها مما تعجب الرائي:
كما أخرج الإمام أحمد من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها فإنها بشرى من الله عز وجل، ومن رأى رؤيا يكرهها فلا يحدث بها وليتفل عن يساره، ويتعوذ بالله من شرها» .
أنها مما يحب الرائي:
كما أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» .
وصفها بأنها صادقة:
كما أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان أول ما بدئ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح …) الحديث .
والصادقة هي المطابقة للواقع، فتقع كما هي معبرة في المنام فلا تحتاج إلى تعبير، وهي بهذا المعنى خاصة بالرؤيا الصالحة التي لا تحتاج إلى تعبير بل تقع معبرة في المنام.
وقيل الصادقة هي بمعنى الصالحة، وتشمل ما يحتاج إلى تعبير وما لا يحتاج إلى تعبير وهي بذلك عامة لجميع أنواع الرؤيا الصالحة، ولهذا جاء في بعض روايات حديث عائشة (الصالحة) بدل الصادقة .
وصفها بالصالحة:
وهذا الوصف هو الذي جاء في أغلب الأحاديث كحديث أبي قتادة رضي الله عنه: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان» وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» .
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله عز وجل، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث أحدًا وليقم وليصل» .
وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» .
وغيرها من الأحاديث الكثيرة.
والصالحة تحتمل معنيين خاصًا وعامًا:
المعنى الخاص: صالحة ظاهرها، وهي التي تسر وتفرح، وبهذا جاء وصفها في الأحاديث الأولى بأنها الحسنة والمبشرة, وأنها مما يحب الرائي ومما يعجبه.
العام: وضوح تعبيرها، وهي التي تقع سواء كانت تسر أو لا تسر، وسواء كانت مبشرة أو منذرة، وسواء كانت معبرة في المنام أو تحتاج إلى تعبير، فهي بهذا خلاف أضغاث الأحلام، وهي بمعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرؤيا من الله» دون تقييد كونها صالحة أو لا.
وصف الرؤيا الصالحة، بأنها رؤيا حسنة:
كما أخرج الإمام مالك وأحمد والبخاري وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» .
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق: «والرؤيا ثلاث، الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزن من الشيطان …» .
وأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث أبي الطفيل، عامر بن واثلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قال: قيل وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة» أو قال: «الرؤيا الصالحة» .
والحسنة لها معنيان:
1 – إما باعتبار حسن ظاهرها.
2 – وإما باعتبار صدقها .
وقال الباجي: “الحسنة، أي الصادقة أو المبشرة” .
وفي الأحاديث السابقة جاء وصف الحسنة بالصالحة.
يقول الكرماني رحمه الله: «الصالحة: هي ما صلح صورتها أو ما صلح تعبيرها، والصادقة هي المطابقة للواقع» .
ويقول القاضي عياض رحمه الله: كون الرؤيا صالحة يحتمل أن ترجع إلى حسن ظاهرها، ويحتمل أن ترجع إلى صحتها وكونها صادقة .
ويقول ابن العربي رحمه الله: معنى صلاحها: استقامتها وانتظامها .
ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفرق بين الرؤيا الصادقة والصالحة: (الصالحة، والصادقة هما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي – صلى الله عليه وسلم – كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهي الأكثر).
وغير الصالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في رؤيا يوم أحد .
وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص: “إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقًا .
ويظهر، والله أعلم، أن هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة، إما وصف لها قبل وقوعها، فتتكون هذه الأوصاف يحسب الغالب في الرؤيا الصالحة وأنها مما يحب الرائي.
وإما أن تكون هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة بعد وقوعها، فتكون هذه الأوصاف لحقيقة أمرها، وعلى هذا فلا إشكال في اختلاف أوصاف الرؤيا الصالحة, والله أعلم.
ثم إن القطع على الرؤيا بكونها صالحة، لا سبيل إليه، وإنما ذلك على سبيل غلبة الظن، وأما إدراك ما هو حق منها، وما هو باطل، فهذا صعب الوصول إليه، وإنما هناك علامات تفيد غلبة الظن في كون الرؤيا صالحة . وسوف أذكر إن شاء الله، هذه العلامات بشيء من التفصيل في المسألة الثالثة.