الفرق بين الرؤيا والحلم

تبين لنا في المبحث الأول، أن الرؤيا في اللغة تعني ما يراه الإنسان في منامه، وهي عبارة عن أمثال مضروبة، وإذا كان الأمر كذلك، فما الفرق بينها وبين الحلم؟

والجواب:

أن الحُلْمُ: بضم الحاء واللام أو ضم الحاء وسكون اللام، وهو ما يراه النائم .

قال الجوهري في الصحاح: (الحُلُم بالضم: ما يراه النائم، تقول منه، حَلَم بالفتح واحْتَلَم.

وتقول: حَلَمْت بكذا، وحَلَمْتُه أيضًا .

وقال ابن منظور في لسان العرب: (الحُلْمُ والحُلُم: الرؤيا، والجمع أحْلام، يقال: حَلَم إذا رأى في المنام.

يقال: حَلَم بالفتح، إذا رأى وتَحَلَّم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا .

فالحُلُم بهذا المعنى اللغوي، وهو ما يراه الإنسان في منامه من الخير والشر، تفسير الاحلام حرف د الدال فهو مرادف للرؤيا، إلا أنه غلب في الاصطلاح الشرعي استعمال الرؤيا في الخير والشيء الحسن، وغلب استعمال الحلم على خلافه.

يقول ابن الأثير ومنه قوله تعالى: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} [يوسف: 44] ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر .

ودل على هذا التفريق أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري رحمه الله من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان» الحديث .

يقول ابن حجر رحمه الله: ظاهر قوله – صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها: (حلم) والتي تضاف إلى الشيطان لا يقال لها: (رؤيا) وهو تصرف شرعي وإلا فالكل يسمى رؤيا، وقد جاء في حديث آخر (الرؤيا ثلاث) فأطلق على الكل رؤيا .

ولهذا من فقه الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح المسند من أحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – وسننه وأيامه أنه في كتاب التعبير وضع بابًا بعنوان الرؤيا من الله وبابًا آخر بعنوان الحلم من الشيطان واستدل بحديث أبي قتادة السابق للتفريق بين الرؤيا والحلم.

ولعل الحكمة والله أعلم في نسبة الرؤيا إلى الله، والحلم إلى الشيطان، أن الله عز وجل كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، فشرع التفريق بين الحق والباطل، بأن جعل الرؤيا ما كان من الله، والحلم ما كان من الشيطان، لأنه الذي يخيل بها ولا حقيقة لها ، فهي من إلقائه وتشويشاته وتلاعبه ووسوسته وتحزينه للإنسان، كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة في نسبتها إلى الشيطان وبيان عداوته للإنسان .

وهذا التفريق بين الرؤيا والأحلام من الاصطلاحات الشرعية، وإن كان كل من الرؤيا والحلم من عند الله عز وجل، وإنما ذلك جار على أدب العبودية من إضافة الخير إلى الله وإضافة الشر إلى غيره ، كما قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79].

وكقوله عن الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10].

وكقول النبي – صلى الله عليه وسلم – في دعاء الاستفتاح: «والخير كله بيديك والشر ليس إليك» .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد علم الصحابة رضي الله عنهما أن ما خالف الشرع والدين فإنه يكون من النفس والشيطان، وإن كان بقضاء الله وقدره .

دلالات الرؤيا

الدلالات: – بكسر الدال وفتحها – جمع دلالة، وهي الإرشاد، واستدل بالشيء على الشيء أي اتخذه دليلاً عليه .

قال الجوهري في الصحاح: “الدَّلِيلُ: ما يُستدلُّ به، والدَليلُ: الدَالُّ وقد دَلَّه على الطريق يُدُّله دَلاَلَة ودِلاَلَة ودُلُولَة. والفتح أعلى” .

وقال الجرجاني في كتاب التعريفات: “الدلالة هي كون الشيء يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول” .

وبناء على ذلك نستطيع أن نقول: إن دلالات الرؤيا، هي الأمور التي ترشد إليها الرؤيا.

ودلالات الرؤيا كثيرة، ومن خلال استقراء بعض نصوص السنة، يتضح لنا شيء من تلك الدلالات، وهذا يعتمد على فقه الحديث، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فمن تلك الدلالات للرؤيا:

أولاً: أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها وصلاحه غالبًا:

ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه بسنده من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إن رجالا من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيقول فيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما شاء الله، وأنا غلام حديث السن وبيتي في المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء. فلما اضطجعت ليلة، قلت اللهم إن كنت تعلم في خيرًا فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم وأنا بينهما أدعو الله: اللهم أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد فقال: لن تراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، له قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، ورأى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل، رءوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالاً من قريش: فانصرفوا بي ذات اليمين، فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن عبد الله رجل صالح» فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يكثر من الصلاة .

وفي رواية فقال – صلى الله عليه وسلم -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فكان بعد لا ينام إلا قليلا» .

وفي رواية فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله – صلى الله عليه وسلم -» .

وفي رواية: (فقلت اللهم إن كان لي عندك خير فأرني مناماً يعبره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها» .

وقال العيني رحمه الله في شرح حديث ابن عمر السابق: “وفيه تمني الرؤيا الصالحة ليعرف صاحبها ماله عند الله” .

وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله: “إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو ممدوح لأنه عرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له لا روع عليك، وذلك لصلاحه، غير أنه لم يكن يقوم من الليل فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يتقى به النار والدنو منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك .

ثانيًا: أنها تدل على تثبيت الله لعباده المؤمنين:

يؤخذ ذلك من قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يوسف: 62 – 64].

والبشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى، والرؤيا الصالحة تدل على بشارة الله لعبده المؤمن ولذلك سماها النبي – صلى الله عليه وسلم – مبشرات، وكقوله عز وجل في غزوة بدر {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ} [الأنفال: 43] وقوله عز وجل: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27] ولهذا في آخر الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وذلك والله أعلم لأن المؤمن في آخر الزمان أشد ما يكون إلى تثبيت الله له في مثل ذلك العصر الذي يقل فيه المساعدون ويكثر فيه المخالفون والمناوئون.

ولهذا أول ما بدئ به النبي – صلى الله عليه وسلم – الوحي كان الرؤيا الصالحة .

ثالثًا: أنها تدل على اهتمام صاحبها بما يراه في المنام:

فالإنسان إذا اهتم بشيء فإنه كثيرًا ما يراه في منامه، فيرى رؤيا متعلقة بهذا الذي شغله في اليقظة.

ولذلك لما كان الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، يشغل الإسلام قلوبهم، كانوا وهم يتقلبون في فرشهم يرون ما يشغل بالهم وما يهتمون به في يقظتهم، وانظر إلى أي لون من المرائي التي كانوا يرونها.

ولذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا صلى الفجر التفت إلى أصحابه وقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فإن رأى أحد رؤيا قصها ..» .

فكون النبي – صلى الله عليه وسلم – يسأل أصحابه «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» دليل على أن أولئك الرجال من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – كان الإسلام يشغل قلوبهم ومن تلك المرائي لأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رؤياهم لليلة القدر ورؤياهم للآذان ورؤيا الطفيل أخي عائشة رضي الله عنها في قول ما شاء الله وشاء محمد ورؤيا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما التي سبقت معنا، فلما كان يفكر في اليقظة في شأن الجنة والنار، وقد شغلت باله، رأى رؤيا تناسب هذا الهم الذي شغله.

رابعًا: أن رؤيا السوء تدل على تلاعب الشيطان بالإنسان:

كما أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال جاء أعرابي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره.

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك» وقال سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد يخطب، فقال: «لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه» .

فإذا رأى الإنسان رؤيا سوء فليعلم أن ذلك من تحزين الشيطان وتلاعبه، فلذا جاءت السنة بالآداب التي يقولها ويفعلها المسلم عندما يرى رؤيا سوء.

تعلُّق الرؤيا بالروح

تعريف الروح وصفاتها وخصائصها

البحث في صفات الروح جائز بما دل عليه الكتاب والسنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وليس في الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه الكتاب والسنة، لا في ذاتها ولا في صفاتها، وأما الكلام بغير علم فذلك محرم في كل شيء .

فإذا كان الأمر كذلك، فإن الروح التي فينا قد وصفت بصفات عديدة، فقد أخبرت النصوص الصحيحة أنها:

موجودة، حية، عالمة، قادرة، سميعة، بصيرة، وتفيض، وتخرج، وتصعد من سماء إلى سماء، وتنزل، وتذهب، وتجيء، ويشار إليها، ويتبعها بصر الميت، وتتكلم، وتسل كما تسل الشعرة من العجينة، ونحو ذلك من صفاتها

كما أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أبي سلمة وقد شَقَّ بصره فأغمضه. ثم قال: «إن الرُّوح إذا قُبض تبعه البصر» .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في حديث طويل «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول:

أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.

قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض.

قال: فيصعدون بها …» الحديث .

وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها» .

وأخرج النسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا حضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون اخرجي راضية مرضيًا عنك إلى روح من الله وريحان ورب غير غضبان فتخرج كأطيب ريح مسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا» .

وأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيها النفس الطيبة فلا يزال يقال لها حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء» .

فهي بهذه الصفات ونحوها، ذات قائمة بنفسها، ولكن العقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره .

هل روح النائم تفارق جسده في المنام؟

ذكرت في المسألة السابقة شيئًا من صفات الروح وخصائصها، فهل من صفاتها أن روح النائم تفارق جسده في المنام؟

والجواب على هذا السؤال يتضح بعد بيان تعلق الروح بالجسد .. وتعلق الروح بالجسد عند أهل السنة والجماعة على خمسة أحوال متغايرة الأحكام .

الحالة الأولى: تعلق الروح بالجسد في بطن الأم عندما يكون جنينًا.

الحالة الثانية: تعلق الروح بالجسد بعد خروجه إلى وجه الأرض في حال اليقظة.

الحالة الثالثة: تعلق الروح بالجسد في حالة النوم، وهذا التعلق بالجسد من وجه ومفارقة من وجه .

الحالة الرابعة: تعلقها بالجسد في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه لم تفارقه فراقًا كليًا بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة بل تعود إليه، فلا يوصف بأنه حي حياة دنيوية مستقرة، بل روحه متعلقة بجسده بكيفية أضعف مما هي عليه في الدنيا، ولذلك لا يدركها الناس.

قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: “وقد تواترت الأخبار عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وسؤال الملكين فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول ولكنه يأتي بما تحار فيه العقول؛ فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا .

الحالة الخامسة: تعلقها به يوم البعث، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا فالنوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة، كما جاء في الحديث ولهذا يكون لأهل الجنة أتم النعيم ولأهل النار أشد العذاب.

فتأمل هذه الأحوال يزح عنك إشكالات كثيرة.

والذي يهمنا في هذا البحث، هو بيان تعلق الروح بالجسد في حال النوم، وأنها تتعلق به من وجه وتفارقه من وجه، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله عز وجل يتوفى روح النائم في حال النوم، ومن تلك الأدلة:

أولا: قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} [الأنعام: 60].

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم -: وقل لهم يا محمد، والله أعلم بالظالمين، والله هو الذي يتوفى أرواحكم بالليل فيقبضها من أجسادكم ويعلم ما جرحتم بالنهار .

وقال البغوي رحمه الله: قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} أي يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل .

وقال الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان: «ذكر في هذه الآية الكريمة أن النوم وفاة، وأشار في موضع آخر إلى أنه وفاة صغرى وأن صاحبها لم يمت حقيقة، وأنه تعالى يرسل روحه إلى بدنه حتى ينقضي أجله، وأن وفاة الموت التي هي الكبرى قد مات صاحبها ولذا يمسك روحه عنده» .

ثانيًا: قال تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42].

فأخبر في هذه الآية، بتوفيها وإمساكها وإرسالها.

سئل ابن الصلاح رحمه الله عن هذه الآية، فقال المستفتي: نحب تفسيرها على الوجه الصحيح بحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الصحاح أو بما أجمع أهل الحق على صحته.

فأجاب رحمه الله: «أما قوله تبارك وتعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ …} الآية، فتفسيره: الله يقبض الأنفس حين انقضاء أجلها بموت أجسادها فلا يردها إلى أجسادها، ويرسل الأخرى التي لم تقبض بموت أجسادها حتى تعود إلى أجسادها إلى أن يأتي أجلها المسمى لموتها».

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} لدلالات للمتفكرين على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى وعلى أمر البعث؛ فإن الاستيقاظ بعد النوم شبيه به، ودليل عليه، فهذا واضح، والذي يشكل في ذلك أن النفس المتوفاة في المنام أهي الروح المتوفاة عند الموت أم هي غيرها؟ فإن كانت هي الروح فتوفيها في النوم يكون بمفارقتها الجسد أم لا، وقد أعوز الحديث الصحيح والنص الصريح والإجماع أيضًا لوقوع الخلاف فيه بين العلماء:

فمنهم: من يرى أن للإنسان نفسًا تتوفى عند منامه غير النفس التي هي الروح، والروح لا تفارق الجسد عند النوم، وتلك النفس المتوفاة في النوم هي التي يكون بها التمييز والفهم، وأما الروح فبها تكون الحياة ولا تقبض إلا عند الموت .

ومنهم: من ذهب إلى أن النفس التي تتوفى عند النوم هي الروح نفسها. واختلف هؤلاء في توفيها:

(أ) فمنهم: من يذهب إلى أن معنى وفاة الروح بالنوم قبضها عن التصرف مع بقائها في الجسد، وهذا موافق للأول من وجه، ومخالف له من وجه .

(ب) ومنهم: من ذهب إلى أن الروح تتوفى عند النوم بقبضها من الجسد ومفارقتها له، وهذا الذي نجيب به، وهو الأشبه بظاهر الكتاب والسنة.

والفرق بين القبضتين والوفاتين أن الروح في حالة النوم تفارق الجسد على أنها تعود إليه فلا تخرج خروجًا تنقطع به العلاقة بينها وبين الجسد، بل يبقى أثرها الذي هو حياة الجسد باقيًا فيه، فأما حالة الموت فالروح تخرج من الجسد مفارقة له بالكلية فلا تخلف فيه شيئا من أثرها، فلذلك تذهب الحياة معها عند الموت دون النوم، ثم إن إدراك كيفية ذلك والوقوف على حقيقته متعذر فإنه من أمر الروح، وقد استأثر بعلمه الجليل، تبارك وتعالى، فقال سبحانه: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].اهـ .

وقال القرطبي رحمه الله بعد أن ذكر الأقوال السابقة: «ويقال: هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى، وهذا أصح الأقوال، والله أعلم» .

وقال أيضًا رحمه الله في تفسير آية الزمر: «فقد اختلف الناس في هذه الآية في النفس والروح، هل هما شيء واحد أو شيئان على ما ذكرنا، والأظهر أنها شيء واحد، وهذا هو الذي تدل عليه الآثار الصحاح» .

ومما يدل على مفارقة روح النائم لجسده، وأن الروح هي النفس الأحاديث التالية.

أولا: ما أخرجه البخاري من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: سرنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله قال: «أخاف أن تناموا عن الصلاة» قال بلال: أنا أوقظكم فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد طلع حاجب الشمس، فقال: «يا بلال أين ما قلت؟» قال: ما ألقيت على نومة مثلها قط.

قال: «إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء» الحديث .

وفي لفظ لمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال بلال رضي الله عنه: «أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك» .

فوصفها في هذا الحديث بالقبض والرد.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: «إن الله قبض أرواحكم» هو كقوله تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} ولا يلزم من قبض الروح الموت؛ فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط .

وفي هذا الحديث جعل الروح والنفس بمعنى واحد وأنها هي التي تقبض وترد .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه» .

ومن العلماء من يفصل في إطلاق النفس والروح فيقول: إن الروح والنفس وإن اطلقتا على تلك اللطيفة الربانية، إلا أنه غالبًا ما يسمى نفسًا إذا كانت الروح متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسميته الروح أغلب عليها .

ثانيًا: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا أوى إلى فراشه قال: «اللهم باسمك أحيا وأموت»، وإذا أصبح قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» .

فقد سمَّى النبي – صلى الله عليه وسلم – النوم موتًا والاستيقاظ حياة وقال في الحديث الذي أخرجه البيهقي من حديث جابر رضي الله عنه: «النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة» .

ثالثًا: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه قال: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك محياها ومماتها، فإن أحييتها فاحفظها وإن أمتها فاغفر لها» فقال له رجل سمعت هذا من عمر؟ قال: من خير من عمر، من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .

رابعًا: ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ بداخله إزاره فلينفض بها فراشه، وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع، فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك اللهم ربي بك وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي، فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» .

زاد الترمذي: «فإذا استيقظ فليقل: الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي بذكره» .

خامسًا: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث علي رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – طرقه وفاطمة بنت النبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة فقال: «ألا تصليان؟» فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله عز وجل، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا .

سادسًا: أخرج الإمام أحمد في كتاب الزهد عن الحسن البصري رضي الله عنه قال: إذا نام العبد وهو ساجد باهى الله به الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي جسده في طاعتي وروحه عندي .

فالشاهد من هذه الآيات والأحاديث، أن الله عز وجل يقبض روح النائم ويردها إليه حيث شاء سبحانه.

دل على ذلك لفظ الوفاة، والبعث، والإرسال، والموت، والحياة، وإن أحييتها، ورد علي روحي، والنوم أخو الموت، وأنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا وقوله – صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قبض أرواحكم حيث شاء وردها عليكم حيث شاء».

أما كيفية هذا القبض والخروج فلا يعلمها إلا الله، فنحن نؤمن ونصدق بهذه الصفات التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، ونكل كيفية ذلك إلى بارئها سبحانه وتعالى.

ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الأحاديث السابقة في الأدعية عند النوم والاستيقاظ، قال: (ففي هذه الأحاديث من صعود الروح إلى السماء، وعودها إلى البدن ما يبين أن صعودها نوع آخر ليس مثل صعود البدن ونزوله) .

في موضع آخر يقول رحمه الله: (والروح تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى، وتفارقه متى شاء الله تعالى، لا يتوقف ذلك بمرة ولا مرتين، والنوم أخو الموت).

ثم قال رحمه الله ولهذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول إذا أوى إلى فراشه: «باسمك اللهم أموت وأحيا» وكان إذا استيقظ يقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور» فقد سمى النوم موتًا، والاستيقاظ حياة.

ثم استدل بآية الزمر السابقة، ثم قال: ولهذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا أوى إلى فراشه قال: «باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك ارفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».

والنائم يحصل له في منامه لذة وألم، وذلك للروح والبدن، حتى إنه يحصل له في منامه من يضربه، فيصبح والوجع في بدنه، ويرى في منامه أنه أطعم شيئًا طيبًا فيصبح وطعمه في فمه وهذا موجود .

ويثبت رحمه الله أن روح النائم تعرج إلى السماء مع أنها في البدن، فليس عروجها من جنس عروج البدن، بل ذلك يختلف بكيفيةٍ الله أعلم بها

هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام

إذا عرفنا أن روح النائم تتعلق ببدنه من وجه، وتفارقه من وجه، وأنها تُقبض وتُرسل كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، فهل من صفات الأرواح أنها تلتقي في المنام؟

هذا ما سأوضحه – إن شاء الله – من خلال هذه المسألة وبيان أقوال أهل العلم فيها وأدلتهم، وذلك من خلال مطلبين:

تلاقي أرواح الأحياء والأموات في المنام

عقد ابن القيم رحمه الله في كتابه الروح مسألة بعنوان المسألة الثالثة: وهي هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات أم لا؟ .

ثم قال رحمه الله: (شواهد هذه المسألة وأدلتها أكثر من أن يحصيها إلا الله تعالى والحس والواقع من أعدل الشهود بها، فتلتقي أرواح الأحياء والأموات كما تلتقي أرواح الأحياء).

وقد قال الله تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42].

ثم ذكر أثرًا عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية أنه قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها .

ورؤية الصالحون هذا امر سار على من راى هذا ولا تدل الا على كل خير ورخاء ورضى الله ويرجع في ذلك الى دليل رؤية الصالحون فية مزيد بيان وأشار ابن جرير الطبري رحمه الله إلى هذا التفسير حيث قال: (ذكر أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتعارف ما شاء الله منها فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادها إلى أجل مسمى وذلك إلى انقضاء مدة حياتها ونحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ثم ذكر بعض الآثار بنحو ما قال ابن عباس رضي الله عنهما).

ويؤكد ابن كثير رحمه الله تفسير هذه الآية بذلك. فيقول: “فيه دلالة على أنه تجتمع في الملأ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره، وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» وقال بعض السلف يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف، فيمسك التي قضي عليها الموت، التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى .

وقال السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية (وفي هذه الآية، دليل

على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف الله فيها بالوفاة، والإمساك، والإرسال).

وأن أرواح الأحياء تتلاقى في البرزخ، فتتجمع فتتحادث فيرسل الله أرواح الأحياء ويمسك أرواح الأموات .

ولقد عقد السيوطي رحمه الله في كتابه “شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور” باب لهذه المسألة وذكر بعض الآثار التي ذكرها ابن القيم رحمه الله.

وممن فصل القول في هذه المسألة أيضًا الإمام البقاعي رحمه الله في كتاب “سر الروح” مؤيدًا ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله.

وكذلك نعمان الألوسي رحمه الله في كتابه “الآيات البينات في عدم سماع الأموات” حيث قال: (هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات؟).

ثم قال: “وجوابها نعم” ثم استدل بالآية السابقة وتفسير ابن عباس لها.

ووجه استشهاد هؤلاء العلماء رحمهم الله، بهذه الآية على التقاء الأرواح. أن النفس الممسكة هي من توفيت وفاة الموت أولا، والنفس المرسلة من توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا القول: أنه سبحانه يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى.

وعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى: {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} أُريدَ بها أن من مات قبل ذلك لقيت روحه روح الحي.

لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه ليس في هذه الآية دلالة على التقاء أرواح الأحياء والأموات فقال رحمه الله:

والقول الثاني: وعليه الأكثرون أن كلا من النفسين: الممسكة والمرسلة توفيتا وفاة النوم، وأما التي توفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث وهي التي قدمها بقوله: {يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} وعلى هذا يدل الكتاب والسنة، فإن الله قال: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} فذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها بالنوم، وأما التي توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال ولا ذكر في الآية التقاء الموتى والنيام .

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه الروح أن هذا القول هو اختيار شيخ الإسلام .

ثم قال رحمه الله: والذي يترجح هو القول الأول لأنه سبحانه أخبر بوفاتين وفاة كبرى وهي وفاة الموت، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم، وقسم الأرواح قسمين قسما قضي عليها الموت فأمسكها عنده وهي التي توفاها وفاة الموت، وقسما لها بقية أجل فردها إلى جسدها إلى استكمال أجلها وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين المذكورتين أولا.

فهذه ممسكة وهذه مرسلة، وأخبر أن التي لم تمت هي التي توفاها في منامها فلو كان قد قسم وفاة النوم إلى قسمين وفاة موت، ووفاة نوم لم يقل {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} فإنها من حين قبضت ماتت، وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ}.

ثم قال رحمه الله: ولمن نصر هذا القول، يعني به القول الثاني، أن يقول قوله تعالى: {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} بعد أن توفاها وفاة النوم فهو سبحانه توفاها أولا وفاة النوم ثم قضى عليها الموت بعد ذلك .

ثم ذكر ابن القيم رحمه الله نقلاً عن شيخه أن الآية تتناول النوعين.

فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “والتحقيق أن الآية تتناول النوعين، فإن الله ذكر توفيتين، توفي الموت، وتوفي النوم، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى.

ومعلوم أنه يمسك كل ميتة سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك، ويرسل من لم تمت.

وقوله تعالى: {يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} يتناول ما ماتت في اليقظة وما ماتت في النوم، فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين ويرسلها في الأخرى، وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف.

وما ذكر من التقاء أرواح النيام والموتى لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه لكن قوله: {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} يقضي أنه يمسكها ولا يرسلها كما يرسل النائمة، سواء توفاها في اليقظة أو في النوم، ولذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتها فارحمها وإن أرسلها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين.» فوصفها بأنها في حال توفي النوم إما ممسكة وإما مرسلة .

هذا ما يتعلق باستدلال العلماء بهذه الآية على تلاقي الأرواح، أما استدلالهم بالأحاديث فقد ذكر منها ابن القيم رحمه الله ما ثبت عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف .

وقد ذكر القرطبي رحمه الله أنه قيل في معنى هذا الحديث، تلاقي أرواح النيام والموتى وقيل غير هذا والله أعلم .

 

 

تلاقي أرواح الأحياء في المنام

بعد أن استدل ابن القيم رحمه الله على ما ذهب إليه من التقاء أرواح الأحياء والأموات، أخذ يستدل على المسألة الثانية، وهي التقاء أرواح الأحياء في المنام.

فقد ذكر رحمه الله أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي، كما تلتقي أرواح الأحياء.

وقال: (والمقصود أن أرواح الأحياء تتلاقى في النوم، كما تتلاقى أرواح الأحياء والأموات) .

واستدل ببعض الأحاديث والآثار.

فمما استدل به ابن القيم على أن الأرواح تتلاقى في المنام، قصة رؤيا خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه للنبي ص في المنام، والذي جاء من عدة طرق منها.

ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وأبو بكر ابن شيبة في مصنفه والنسائي في سننه الكبرى ، من طريق حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي عن عمارة ابن خزيمة بن ثابت أن أباه قال: رأيت في المنام أني أسجد على جبهته النبي – صلى الله عليه وسلم – فأخبرت بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: «إن الروح يلقى الروح» واقنع النبي – صلى الله عليه وسلم – رأسه هكذا فوضع جبهته على جبهة النبي – صلى الله عليه وسلم – .

يقول الساعاتي رحمه الله في “بلوغ الأماني”: (ومعناه أن الأرواح الصالحة تتلاقى في الرؤيا وفي ذلك منقبة عظيمة لخزيمة) .

وذكر ابن القيم رحمه الله آثارًا أخرى تدل على التقاء الأرواح, لكن أسانيدها لا تسلم من مقال.

وقال رحمه الله: (وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحي فيصادف خبره، كما أخبر في الماضي والمستقبل، وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدين عليه، وذكر له شواهده وأدلته، وأبلغ من هذا أنه يخبر بما عمله من عمل لم يطلع عليه أحد من العالمين، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا فيكون كما أخبر عن أمور يقطع الحي أنه لم يكن يعرفها غيره) .

ثم ذكر رحمه الله بعد ذلك منامات يؤيد بها ما قاله.

ثم قال: (وهذا باب طويل جدًا، فإن لم تسمح نفسك بتصديقه، وقلت هذه منامات وهي غير معصومة فتأمل من رأى صاحبًا له أو قريبًا أو غيره، فأخبره بأمر لا يعلمه إلا صاحب الرؤيا أو أخبره بأنه يموت هو أو بعض أهله إلى كذا وكذا فيقع كما أخبره، أو أخبره بخصب أو جدب أو عدو أو نازلة أو مرض أو بغرض له فوقع كما أخبره).

والواقع من ذلك لا يحصيه إلا الله، والناس مشتركون فيه، وقد رأينا نحن وغيرنا من ذلك عجائب .

وقال رحمه الله: (فالتقاء أرواح الأحياء والموتى نوع من أنواع الرؤيا الصالحة التي هي عند الناس من جنس المحسوسات) .

ثم ختم المسألة بقوله رحمه الله: (وبالجملة فهذا أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وأحكامها وشأنها وبالله التوفيق) .

فالحاصل أن ما استدل به من قال بالتقاء الأرواح استدلوا بالآية، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه ليس في الآية ما ينافي ذلك، وليس في لفظها دلالة على ذلك.

أما حديث ابن عباس رضي الله عنهما وحديث خزيمة بن ثابت رضي الله عنه إن صحا فإنهما صريحان في التقاء الأرواح في المنام.

أما ما ذكر من المنامات فلا حجة فيها على مثل هذه المسائل الاعتقادية.

وأما قول ابن القيم رحمه الله أن ذلك من الأمور المحسوسة، فإن كان المراد أن النائم يرى ويخبره بما يطابق الواقع فهذا حق ولا ينكره إلا من هو أجهل الناس.

وأما إن كان هذا المحسوس أن في هذه الرؤيا دلالة على التقاء الأرواح، فما الذي يدرينا عن ذلك، وهل مجرد الرؤيا دليل صريح في هذه المسألة، في نظري أنه لا يفصل في هذه المسألة إلا بدليل صريح, والأدلة التي ذكرناها ليست ببعيدة الدلالة، وخاصة أننا قد علمنا في المسألة السابقة أن روح النائم تفارق جسده بكيفية الله أعلم بها, فما ملاقاتها للأرواح ببعيدة، والله أعلم بكيفية ذلك.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله إشكالا في هذه المسألة وأجاب عليه فقال: (فإن قيل: فالنائم يرى غيره من الأحياء يحدثه ويخاطبه، وربما كان بينهما مسافة بعيدة، ويكون المرئي يقظان روحه لم تفارق جسده فكيف التقت روحاهما؟ قيل: هذا إما أن يكون مثلا مضروبًا يضربه ملك الرؤيا للنائم، أو يكون حديث نفس من الرائي تجرد له في منامه)

 

 

الرؤيا جزء من اجزاء النبوة

ان من تعظيم قدر الرؤيا والدلالة على انها حق ما جاء في السنة المطهرة انها من اجزاء النبوة. وقد جاء في ذلك روايات متعددة منها الصيح ومنها دون ذلك، واصحها على الاطلاق
من حديث أبي هريرة عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ( الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ) .
وحديث اخر عن أبي سعيد-رضي الله عنه-قال:قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: (رؤيا المسلم الصالح جزء من سبعين جزءا من النبوة).
والحديث الثالث ‌قال النبي-صلى الله عليه وسلم- : (الرؤيا الصالحة جزء من خمسة و عشرين جزءا من النبوة) . “ السلسلة الصحيحة “ 4 / 487 .
هذة اصح الروايات الواردة في الجزء وقد تكلم ابن حجر عن الروايات الجزء وطرقها، واوصلها الى خمسة عشر لفظا.
ولا يتخيل احد من الحديث ان رؤيا الصالح جزء من النبوة، فان الرؤيا جزء من اجزاء النبوة في حق الانبياء، وليس في حق غيرهم من اجزاء النبوة.
فالمعنى يكون بان رؤيا الرجل الصالح تسبة الرؤيا الواقعة للانبياء التى هي جزء في حقهم جزء من النبوة في الانبياء.
وقال بعض اهل العلم: ان المراد ان ثمرة المنامات الخبر بالغيب لا اكثر، وان تبع ذلك انذارات وبشرى، والاخبار بالغيب احد ثمرات النبوة واحد فوائدها، وهذا بجانب فوائد النبوة والمقصود منها يسير.

الرؤيا جزء من اجزاء النبوة

والذى يظهر لي والله اعلم ان الوجة الاخير هو المتجة خصوصا اذا علمنا انة ليس كل ما خفى علينا حكمتة لا يلزمنا حجتة، فهذة اعدا الركعات والصيام ورمى الجمرات لم نصل الى علمها ما يوجب حصرها، تحت اعدادها ولم يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها.
وقد تكلم بعض العلماء في الجمع ين هذة الروايات بما لا دليل علية، وبما لا يطمئن بة القلب ونحن لم نتعبد بمعرفة هذة الاشياء والامر فيه واسع ولله الحمد، فالمقصود هو معرفة قدر الرؤيا ومكانتها في الاسلام وانها حق، والمؤمن الحق يقبل كل ما جائة صحيحا عن الله سبحانة من غير بحث عن العلل والاسباب.

حديث حول تفسير الرؤيا في المنام

تبين مما مضى أن من الرؤى حديث نفس يحدّث العبد بها نفسه في اليقظة، ثم تتصور له في منامه، فهذه أضغاث أحلام لا علاقة لها بالرؤى الصادقة. ومنها كذلك الأحلام، وهي من الشيطان؛ ليحزن بها المسلم، فما هو موقفنا من هذه الأضغاث، أولا: أن يعلم العبد أنها من الشيطان، ويستعيذ بالله منه، ويتفل عن يساره ثلاثًا، ولا يخبر بها أحدًا، وليتحول عن شقه الذي هو عليه إلى الشق الآخر، ولا يفسرها ولا يهتم بها فإنها لا تضره؛ كما أخرج البخاري من حديث أبي سعيد قال صلى الله عليه وسلم : “إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها؛ فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره؛ فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله، ولا يذكرها لأحد؛ فإنها لا تضره”. ‌ أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر قال صلى الله عليه وسلم: “إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه” لمتابعة معظم حديث العلماء عن تفسير الاحلام من المصادر المعتمدة. ‌ معاشر المؤمنين: إن مما يؤسف له: تهافت الناس على تأويل الرؤى بغير علم، وقد علمنا أنها من أجزاء النبوة، ولما علم ابن المسيب أن قومًا يؤولون بغير علم قال: “أبالنبوة يتلاعب؟!”.تفسير الاحلام والدنيا

وإن مما يُؤسف له حقًّا أن بعض الناس يرى الرؤيا فلربما مرض منها وأهمَّته، وذلك لجهل الكثير بالسنة النبوية، وقد بينا ذلك.

ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس: أنهم إذا فسروها أيقنوا بوقوعها فأهمتهم، إن كانت سيئة، واغتروا بها إن كانت حسنة. اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك رأى بعض الصالحين الإمام مالك وهو يسير خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ويضع خطاه على خطى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبره بها بكى -رحمه الله-، وقال: “الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره”.

وكذلك مما يقع فيه بعض المؤولين: جزمهم بوقوع ما أولوه، مع أن الرؤيا قد تكذب حتى إن البعض ليجزم بتاريخ وقوعها وساعته.

ومما يقع فيه البعض وينبغي الحذر منه: الكذب في المنام، فيقول: لقد رأيت كذا وكذا وهو كاذب، وما علم أن ذلك من كبائر الذنوب؛ أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من تحلم بحلم لم يره كُلّف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل” وفي رواية “أفرى الفرى أن يُري الإنسان عينيه ما لم تريا”.
اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
عباد الله: إن مما ينبغي للعبد أن يكون عليه أن لا ينام إلا على ذكر لله، وأن يقرأ الأذكار الواردة؛ فإنه يبعد عنه تلاعب الشيطان.

تفسير الاحلام بين الشريعة والدنيا

أما بعد: عباد الله: إن الحياة في هذه الأيام تتكفؤ الناس عن اليمن وعن الشمال ويسرة، وقليل منهم الناجي، وما ينجو أحد منها إلا بتوفيق من الله وفضل.

وسقوط الناس في مهاوي تكفؤها يختلف بحسب سرعة الناس في تهاويهم في معتركها، حتى أصبح الناس يتلقفون كل ما يظنون به تفريجًا لهم أو كاشفًا عن المغيب عنهم.

وإن مما سقط فيه الناس بل جعلوه من اليقين الذي لا مرية فيه تلك الأحلام والرؤى حتى كثر المؤولون، بل أصبح الضغط عليهم، وسؤالهم أكثر من السؤال عن مهمات أمور الدين، وهذا نذير شم وبلاء.

أيها المؤمنون: لا بد من عرض مجمل عن موقف المسلم من هذه الرؤى والأحلام؛ حتى لا يضيع العبد في طرق الشيطان وأحابيله.

فمما ينبغي معرفته أن ما يراه العبد في منامه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فرؤيا بشرى من الله، ورؤيا حديث النفس، ورؤيا تخويف من الشيطان.

كما جاء ذلك في جامع الترمذي من حديث أبي هريرة، فأما الرؤيا الصالحة فمن الله تعالى، وهي جزء من أجزاء النبوة، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “الرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة”.

تفسير الاحلام والدنيا

وهي من المبشرات للمؤمن؛ كما جاء ذلك في صحيح مسلم من حديث ابن عباس قال صلى الله عليه وسلم : “أيها الناس! إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرَى له”.

فإذا رأى المسلم ما يحب؛ فإنه يحمد الله، ولا يقصّها إلا على عالم أو ناصح؛ كما أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم : “لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح”.

ومن السنة أن يفسرها كما أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم : “إذا رأى أحدكم الرؤيا الحسنة فليفسرها وليخبر بها“، وأخرج البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرْهَا”. ومن المواقع الهامة في تفسير الاحلام يوجد به الكثير من تعبير الرؤيا على المنهج الاسلامي
وإن من علامات الساعة صدق الرؤيا في آخر الزمان، وأصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا؛ كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم : “إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا الرجل المسلم تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا”.

أيها المؤمنون: دل هذا الحديث على أن الرؤيا قد تصدق وقد تكذب؛ فقد تكون رؤيا كاذبة. فمن صدق في حديثه؛ صدقت رؤياه، ومن كذب في حديثه كذبت رؤياه.

ومما ينبغي التنبيه عليه رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقد أخرج البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي”.

فإن البعض يفهم هذا الحديث على غير وجهه، والمعنى الصحيح لهذا الحديث أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم بصفاته التي وردت في السنة؛ فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما من رأى شخصًا وقال: إنه الرسول، أو ظن أنه الرسول وهو على غير الصفات الواردة؛ فليس هذا بالرسول، كما أن رؤية الرسول في المنام لا تدل على فضيلة الرائي، ومن لم ير النبي في المنام فلا يدل على فساده أو ضعف إيمانه، ولكن لله حكمة في ذلك.

هل يترتب على الرؤيا حكم شرعي

وقال ابن القيم – رحمه الله – ورؤيا الأنبياء وحى، فإنها معصومة من الشياطين، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه عليهما السلام بالرؤيا.

وأما رؤيا غيرهم؛ فتعرض على الوحى الصريح، فإن وافقته وإلا لم يعمل بها، فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة أو تواطأت؟ قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحى، بل لا تكون إلا مطابقة، منبهة عليه أو منبهة على اندراج قضية خاصة فى حكمه لم يعرف الرائي اندراجها فيتنبه بالرؤيا على ذلك أ – ﻫ

وقد يقول قائل : إن الأذان ثبت بطريق الرؤيا فيقال له : إن الحديث ثبت به تشريع الأذان بتواطؤ الصحابة – رضوان الله عليهم – وإقرار النبى صلى الله عليه وسلمعلى ذلك، فالعبرة بإقراره ، وإنما تشريع الأذان بالرؤيا حكمة – من الله لإعلاء شأنها، ولرفع ذكر النبى صلى الله عليه وسلم على لسان غيره وهم الصحابة رضى الله عنهم وأنى للصوفية ومن حذا حذوهم إقراره صلى الله عليه وسلم فى هذا الزمان على فرض أن ما يفعلون صحيح.

هل ممكن اثبات الرؤيا كحكم شرعي

إذن لا يمكن أن يثبت بالرؤيا حكم شرعى، حتى ولو رأى النبى صلى الله عليه وسلم فقد يقول قائل: أنا رأيت النبى صلى الله عليه وسلم وأمرنى بكذا، وهو حكم يخالف الشريعة فهذا مردود بلا شك؛ لأن الشرع الذى شرعه الله لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم قد كلمه الله عز وجل فقال :
(  الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (سورة المائدة : الآية رقم3 .) ولم يأتنا دليل على أن رؤيته فى النوم بعد موته صلى الله عليه وسلم إذا قال فيها بقول أو فعل فعلاً يكون دليلاً وحجة بل قبضه الله إليه بعد أن كمل الله لهذه الأمة دينها على لسانه صلى الله عليه وسلم ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة فى أمر دينها.
قال النووي – رحمه الله – : لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان ولم ير الناس الهلال فرأى إنسان النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام فقال له : الليلة أول رمضان وانظر تفسير حلم رؤية رمضان لم يصح الصوم بهذا المنام لا لصاحب المنام، ولا لغيره . أ – ﻫ

وصية ثابت بن قيس

وقد يستشكل بعض الناس إجازة وصية ثابت بن قيس – رضى الله عنه – ( ثابت بن قيس بن شماس الخزرجى الأنصارى، صحابى، شهد أحداً وما بعدها، وكان خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتل يوم اليمامة شهيداً فى خلافة أبى بكر (الأعلام 2/98).) بعد موته، لما جاء أنه لما استشهد فى اليمامة وكان عليه درع لهه نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم إذ أتاه فى منامه فقال له : أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه: إنى لما قتلت مر بى رجل من المسلمين وأخذ درعى، ومنزله فى أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن فى طوله (يستن : أى يمرح، والطول : الحبل يشد أحد طرفيه فى وتد، والآخر فى يد الفرس ( النهاية 3/145 ).) وقد كفأ على الدرع برمة (البرمة : القدر مطلقاً، وهى فى الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز ( النهاية 1/121) .) وفوق البرمة رحل، فأت خالداً فمره أن يبعث إلى درعى فيأخذها فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى بكر الصديق فقل له : إن على من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقى عتيق، فأتى الرجل خالداً فأخبره، فبعث إلى الدرع فأتى بها، وحدث أبا بكر برؤياه فأجازه وصيته .

لذا قيل : لا يعلم أحد أجيزت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس رضى الله عنه . (ذكر هذه القصة الحافظ ابن حجر – رحمه الله – فى الإصابة 1/203 وقد رواها الحاكم فى المستدرك وصححها ووافقه الذهبى ( المستدرك مع التخليص 3/235) والبيهقى فى دلائل النبوة 6/356 .) فهذه رؤيا عجيبة، وقد ثبت بها حكم شرعى حساس، ولا مانع من هذا، فهى لم تخالف الشرع، وقد أثبتت وأجيزت

احتف بها من القرائن الدالة على صدقها، ويمكن أن يقاس عليها كل ما كان مثلها، فكل رؤيا تحتف بها قرائن تدل على صدقها فلا مانع من إجازتها.
فالرؤيا إذا لم تخالف الشرع فهى معتبرة، وكثيراً ما تكون من هذا النوع فتبشر المؤمن أو تحذره.

أقسام الناس بالنسبة للرؤيا

مما لا شك فيه أن الناس يختلفون فى الرؤى، فليسوا على درجة
واحدة، وذلك تبعاً لاختلاف منازلهم، فمنزلة النبى، ومنزلة العالم، والذى
اشتهر بالصدق والتقوى مختلفة تماماً عمن اشتهر بالتخليط أو البدعة ونحو
ذلك.

وهذا الأمر يكاد يكون فطرياً عند الناس، ولا شك أن هذا له أصل فى
السنة المطهرة، وهو قول النبى صلى الله عليه وسلم ” وأصدقهم رؤيا أصدقهم
حديثاً ” (متفق عليه)

وقال عليه الصلاة والسلام : ” الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء
من ستة وأربعين جزءاً من النبوة “(متفق عليه)

وثبت عن عائشة – رضى الله عنها – أنها قالت : ” أول ما بدئ به
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لا
يرى رؤيا إلا جاءته مثل فلق الصبح “

وقال تعالى : لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا
بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ
آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ
فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا
قَرِيبًا (27)وذلك فى روياه صلى الله عليه وسلم فى فتح مكة، وصدقت بعدما
يزيد على عام.

فمن هذه النصوص يتضح أن الرؤيا ليست على ميزان واحد، بل على
اختلاف الرائى، فلذلك قسمها العلماء – رحمهم الله – تقسيماً بديعاً، يظهر
أنهم إستفادوه من مجموع النصوص الواردة فى هذا الشأن، وإلا فالرسول صلى
الله عليه وسلم لم يقسم الناس فى الرؤيا كما قسم أنواع الرؤيا – فيما سبق
– ولذلك قال أهل العلم إن الناس فى الرؤيا على ثلاث درجات :

  1. 1) الأنبياء . ورؤياهم كلها صدق ووحى، وقد يقع فيها ما يحتاج
    إلى تعبير.
  2. 2) الصالحون . والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما
    يحتاج إلى تعبير.
  3. 3) من عداهم . ويقع فى رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم على ثلاثة
    أقسام:-
  • أ- مستورون . والغالب استواء الحال فى حقهم.
  • ب- فسقة . والغالب على رؤياهم الأضغاث، ويقل فيها الصدق.
  • ج- كفار . ويندر فى رؤياهم الصدق جدا.

فهذه هى أقسام الناس فى الرؤيا تنزيلاً على النصوص الواردة، وقد تقع رؤيا
صادقة من بعض الكفار، كما فى رؤيا صاحبى السجن وملكهما مع الوحى ولا من
النبوة، إذ ليس كل من صدق فى حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة..

أنواع الرؤي

ينبغى للمسلم أن يعلم أن الرؤى أنواع متعددة، عدها أهل العلم اعتماداً على ما جاء فى السنة المطهرة، كما فى حديث أبى هريرة – رضى الله عنه – أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ” .. والرؤيا ثلاثة: رؤيا بشرى من الله عز وجل، ورؤيا مما يحدث الإنسان نفسه، ورؤيا من تحزين الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث به، وليقم وليصل، والقيد فى المنام ثبات فى الدين، وأكره الغل” ( متفق عليه)

وصح أيضاً من حديث عوف بن مالك – رضى الله عنه – أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:

” إن الرؤيا ثلاث : منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل فى يقظته فيراه فى منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ” فقيل له أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم،أنا سمعته من رسول اللهصلى الله عليه وسلم .( رواه ابن ماجة فى كتاب التعبير، باب الرؤيا ثلاث، وصححه الألبانى (2/ 340 صحيح سنن ابن ماجة)

وقد اختلف أهل العلم فى التقسيم الوارد فى حديث أى هريرة – رضى الله عنه – هل هو من كلام النبى صلى الله عليه وسلم، أو إدراج فى الحديث. ( الأدراج : أن يذكر الصحابى أو من بعده عقب ما يرويه من الحديث كلاماً من عند غيرة)

لكن الذى يظهر من كلام الشراح أنه من كلام النبى صلى الله عليه وسلم، وليس إدراجا إذ يقول الخطيب – رحمه الله -: والمتن كله مرفوع إلا ذكر القيد والغل فإنه إدراج فى الخبر من كلام أبى هريرة . (فتح البارى 12/427)



وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله-: وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ثم ساق حديث أبى هريرة المتقدم فقال بعده” : وقد قيل : إن هذا من كلام ابن سيرين، لكن تقسيم الرؤيا إلى نوعين، نوع من الله، ونوع من الشيطان صحيح عن النبىصلى الله عليه وسلم بلا ريب .أ – ﻫ

وعلى هذا يمكن حصر أنواع الرؤيا استنباطاً من السنة فيما يلى:-

أولاً : ، وهى بشرى من الله، وتعتبر جزءاً من أجزاء النبوة كرؤيا الأنبياء والصالحين ونحوهم، وقد تقع لغيرهم بندور.

ثانياً : الأضغاث، ويدخل تحتها أنواع كثيرة :

منها : أهاويل وتلاعب من الشيطان ليحزن بها ابن آدم كمن رأى أنه قطع رأسه وهذا ما ورد فى حديث الرجل الذى قال للنبى صلى الله عليه وسلم : رأيت فيما يرى النائم البارحة كأن عنقى ضربت فسقط رأسى فاتبعته فأخذته ثم أعدته مكانه،

فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ” إذا لعب الشيطان بأحدكم فى منامه فلا يحدثن به الناس “

ومن الأضغاث وتلاعب الشيطان : الاحتلام فى المنام .

ومنها أن يرى النائم بعض الملائكة تأمره أن يفعل المحرم ونحوه من المحال.(وهذا أخطرها، وهو ما يقع فيه غلاوة الصوفية، والعياذ بالله ممن يزعمون أنهم أولياء الله وهم خارجون عن الدين.)

ومنها ما يحدث المرء به نفسه ويهم به فى يقظته فيراه فى منامه، أو يتمناه فيراه فى المنام

ومنها ما يعتاده الرائى فى اليقظة، كمن كانت عادته أن يأكل فى وقت فنام فيه فرأى أنه يأكل.

هذا ما يمكن إيراده حول أنواع الرؤى والأحلام، ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن ما كان منها من الأضغاث وتلاعب الشيطان فلا يؤبه به، ولا يعبر، وسوف يأتى ذكر علاجه إن شاء الله فى آداب الرؤيا، فالذى يعبر منها هو الصحيح وهو ما أتى به ملك الرؤيا من عند الله عز وجل.
.